هل اختلفت مقاييس حسابات القوة والقدرة الحربية الآن عما مضى؟

في السابق كانت تلك الحسابات تقدر بحجم القوة والعتاد العسكري، ومدى تطور الأسلحة والمعدات، بالإضافة إلى تعداد القوة العسكرية «أفراد الجيش» وما تمتلكه الدول من موارد اقتصادية تمكنها من التمويل المادي لأي تحركات عسكرية داخل أو خارج أراضيها – وهذا هو التقرير العقيم الذي تصدره إحدى المؤسسات الدولية عن ترتيب الجيوش العالمية، والذي تتناوله الحكومات وكأنها شهادة تقدير واعتراف وتسويق لقدراتها العسكرية. وتتناولها أجهزة الإعلام الدولية والمحلية على أنها مقياس لقوة هذه الدول وقدرتها على خوض الحروب بأشكالها العسكرية المعتادة والتقليدية – وهنا نتساءل ونطرح بعض الأسئلة في محاولة لاستنتاج القدرة الحقيقية حاليًا بعيدًا عن مقاييس الدعاية الزائفة والمروجة لاستمرار تجارة السلاح التقليدي، التي تعتبر مصدر دخل أساسي لدول كبيرة على رأسها الولايات المتحدة وروسيا فرنسا وألمانيا.

ما دور التكنولوجيا ووسائل الاتصال في الحرب القادمة؟

إن التطور التكنولوجي، خاصة في وسائل الاتصال دفعني إلى التفكير في هذه النقلة الهائلة، وكيف لها أن تكون أخطر من أي أسلحة تقليدية، ويكون الضرر من ورائها أكبر وأعنف كثيرًا عما تخلفه الحروب التقليدية، نسمع بين الحين والآخر عن اختراقات إلكترونية لمؤسسات حكومية رفيعة لدول كبيرة، وما تسببه هذه الاختراقات من ضغوط على هذه الدول، والتي من الممكن أن تكون وسائل ابتزاز إلكتروني لهذه الدول والضغط عليها لاتخاذ مواقف معينة، أو اتخاذ إجراءات ومواقف دولية تجاه بعض الملفات الشائكة، فنرى كيف تتغير مواقف كبرى الدول تجاه ملفات خطيرة بين ليلة وضحاها، وهذا من تأثير تعرضها لهذا الابتزاز الإلكتروني، والذي يحولها من دولة ذات سيادة إلى مجرد عضو تابع في نظام فاشي إلكتروني تنفذ فيه هذه الدولة مشروعات لم تكن يومًا في مخططها أو مستهدفاتها، ونظرًا لخوف هذه الدول على معلوماتها ومحاولتها استرجاع ما تمت سرقته من معلومات مهمة قد تؤثر دوليًّا في صورتها، لم يكن أمامها سوى الانصياع لأوامر هذه المنظمات التي أصبحت هي الأقوى، رغم أن الضحية قد تمتلك عسكريًّا قوات هي الأكبر على مستوى العالم، وها هي تنصاع بكل سهولة وراء ضغوط وابتزاز هذه المنظمات التي أثبتت أنها الأقوى في صراع غير متكافئ الفرص، ورغم أن هذه المنظمات مفترض أنها الطرف الضعيف إذا ما قورنت عسكريًا بهذه الدول، إلا أنها هي الطرف المنتصر في هذه المعركة وبلا أي خسائر. إذن المقاييس تتغير والحسابات تختلف ومن يمتلك التكنولوجيا قد يمتلك زمام الأمور، ولو لفترة بسيطة تكون كافية لتنفيذ كافة خططهم في الانتشار. وشاهدنا وعاصرنا مؤخرًا تسريبات «وكي ليكس» وكذلك اختراق أجهزة أمنية دولية وتسريب معلومات في غاية الخطورة – كانت سببًا في اختفاء بعض القوى السياسية في العالم واستقالة البعض أمام أعين الجميع «وثائق بنما».

دور الأجهزة والتطبيقات الإلكترونية في الحرب القادمة

مؤخرًا شاهدنا حوادث لانفجارات لأجهزة محمولة أو حواسيب إلكترونية كانت سببًا لوفاة كثيرين أو إصابتهم بحروق وتشوهات تصل لدرجة العجز، فماذا لو كان هذا مقصودًا؟ ماذا لو استغلت الدول المنتجة لهذه الحواسيب والهواتف المحمولة احتكارها لنوع معين من التكنولوجيا وتوجيهه إلى مثل هذا النوع من الدمار؟ وما أنا بصدد طرحه ليس حالة أو اثنتين، وإنما توجيه الضربة وهذا الانفجار في توقيت واحد وعلى ملايين الأجهزة في دولة أو منطقة بعينها، تخيل حجم الخسارة والدمار، تخيل الشلل الذي من الممكن أن يصيب هذه الدول أو المناطق، إنها حرب تنقل جبهاتها إلى دول العداء دون أن تراق نقطة دم واحدة على أرض المعتدي، وعلى سبيل المثال دعونا نتخيل أن إحدى الدول الكبرى والمنتجة للهواتف الذكية والحواسيب قررت أن توجه هذا السلاح الإلكتروني إلى دولة ما ينتشر فيها استخدام هذه المنتجات، وعن طريق التحكم عن بعد قررت أن تقوم بتفجير بطاريات تلك الأجهزة في وقت واحد، ستكون الكارثة؛ فملايين الأشخاص قد يتأثرون بهذا الأمر ومن الممكن أن تفقد الدولة المنكوبة نسبة كبيرة من سكانها في دقيقة واحدة، إن هذا النوع من التفكير قد يكون الآن دربًا من دروب الخيال أو مجرد خيال واسع للكاتب، ولكنها منطقيًّا قابلة للحدوث خاصة عند حساب تكاليف الحرب التقليدية الاقتصادية والبشرية مقارنة بهذه الهجمات الإلكترونية، والتي لا تحسب لها أي خسائر على الإطلاق، وبالرغم من أنها فكرة قد تكون قابلة الحدوث، ليس الآن، ولكن في المستقبل القريب، وإذا كان الخيال واسعًا في هذا التصور، دعونا نتحدث عن التكنولوجيا والتحكم عن بعد في الأسلحة والمعدات العسكرية التي تستخدم التكنولوجيا حاليًا، فعلى سبيل المثال قد تستخدم الدول المصنعة للطائرات الحربية مثلاً التكنولوجيا في إيقاف محركات تلك الطائرات في الجو عن طريق التحكم عن بعد في حال ممارسة بعض الضغوط على دول معينة، هذا قابل الحدوث لأن معظم الطائرات والسفن الحديثة تستخدم تكنولوجيا رقمية في التشغيل فمن السهل أن يتم التحكم بها عن بعد، وكم من حوادث طائرات شاهدناها مؤخرًا وسمعنا عن حدوثها نتيجة أعطال في المحركات قد تكون ناتجة عن التعطيل الفعلي لهذه المحركات عن بعد هذا احتمال وارد الحدوث.

خطر التكنولوجيا على مستقبل العالم

كم هي عظيمة التكنولوجيا وما وصلنا إليه من تقدم هو فعلا معجزة هذا العصر، ولكن دائمًا نجد أن بعض النفوس البشرية تستخدم تلك التكنولوجيا في أعمال الشر والإضرار بالبشر؛ فنجد مثلاً أن نفس الهاتف الذى نتحدث منه إلى عائلاتنا وننجز به كثيرًا من أعمالنا أصبح مستخدمًا في تفجيرات عن بعد وفي أعمال الإرهاب التي يستنكرها العالم، فلابد لنا أن نقنن استخدام التكنولوجيا حتى نحافظ على بقاء الجنس البشري، ونحافظ عليه من الانقراض، فلو تركنا عالم التكنولوجيا بلا رقابة سنصل إلى اليوم الذي ينتهي فيه الجنس البشرى، فبداية نرى أن الرقابة الدولية على كافة الإصدارات التكنولوجية، وكذلك اتفاقية دولية تجرم استخدام التكنولوجيا في غير أغراضها، وهي تطور الإنسانية، مثلها كمثل اتفاقية الحد من الانتشار النووي، أعتقد أن السيطرة على طوفان التكنولوجيا هو الحرب المستقبلية، والتي يجب أن نواجهها بقوانين رادعة تحمى سلامة البشر.

من الممكن أن يكون مقالي خيالاً لكنه منطقي وقابل للحدوث ولو بنسبة 1%.

تحياتي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد