نعيش منذ بضعة شهور موجة واسعة للاتهامات الموجهة ضد العديد من السياسيين والمشاهير بالتحرش الجنسي ضد النساء. وإذا كان التّحرش بمختلف صيغه أمرا بغيضا ومدانا، فإن تمعّن قوة الموجة الحالية واستشراف تبعاتها على شكل العلاقات الإنسانية في المستقبل يقتضي إستقراء واقع المجتمع اليوم وتحديد الشكل الذي نريده له في المستقبل بما يتناسق مع الحقوق والقيم التي نتفق عليها جميعا.

  المرأة في معظم مناطق العالم تملك حرية مصيرها. هي قادرة على صياغة حياتها وفق ما تراه صالحا، وتملك كل مقومات النجاح العملي والإبداعي. وهي لا تختلف عن الرجل في الحقوق والواجبات ألبتة. وربما بالعودة للتاريخ سنجد هذا الحضور كان دائما قويا، ولم يسبق للمرأة أن غابت عن الإسهام في بناء الأحداث التي كانت مركزية في تفاصيل معظمها. الموجة الحالية وبما تحمله من تغيير محمود يجب ان لا تخرج عن الإطار القانوني الذي يفرض تباث البراهين تفاديا للتلاعب بسمعة الأبرياء. كما يفرض علينا عدم الوقوف عند الأحداث لذاتها فقط، بل تجاوزها للشكل العام لحضور المرأة في المجتمع، بحمايتها من صناعة الاشهار وبفرض شروط كفاءة واضحة في تقييم المواهب الفنية مثلا وبحث النساء على التبليغ المباشر والفوري عن كل ما يدخل في إطار التحرش او الابتزاز القائم على النوع.

  ما نعيشه اليوم يدفع أيضًا إعادة صياغة منطق العلاقات بين الجنسين. فلا يمكن لنا كعرب أن نأخذ من النموذج الغربي ما نريده كسبًا لاحترام أهله ونحافظ في نفس الوقت من نموذجنا الشرقي على ما نراه جيدًا. فمثلًا المساواة القائمة بين الرجال والنساء تقتضي أن نرمي وراء ظهورنا واجبات شرقية من قبيل إقدام الرجال على المبادرات في صناعة العلاقات، ودفع المهور و المسؤوليات المالية لنضع المساواة فعلا في قلب ممارسة العلاقة الإنسانية تمامًا كما هو الحال في الغرب، حيث يدفع فواتير كل شيء صاحبها حتى في إطار البيت نفسه.

  دول عربية كثيرة سعت إلى تغيير قوانينها المدنية لملاءمتها مع النسخة العالمية، خصوصا تلك المرتبطة بمؤسسة الزواج. وهذه البلدان لم تأخذ من التوجه الغربي لصياغة المساواة غير جزء قابل للدمج في موروثها الثقافي العام. والمفروض أن نعي أن العالم الغربي يضع صيغ عديدة لتأطير العلاقات الإنسانية بما يجعل الزواج في شكله المدني شكلًا كغيره، بينما في مجتمعاتنا المسلمة يظل الإطار الوحيد للعلاقات هو مؤسسة الزواج، وبالتالي فما تحمله صيغتها مما قد لا يلائم وضع أطرافها لا يمكن تجاوزه بالهروب نحو شكل آخر من العلاقات.

  كلا النموذجين الغربي والشرقي يحملان من التفاصيل ما هو متناسق مع ذاته في الواجبات والحقوق وفي الامتيازات والتنازلات، ولكن الخطير هو محاولة إنتاج صيغة هجينة تجمع بينهما معًا، وهو تمامًا ما تتجه نحوه بلدان عربية. الصيغة المحدثة في عدم تناسقها ستفقد العلاقة الإنسانية بين الرجال والنساء وضوح الإطار، وستهدد بذلك تماسك المجتمع ذاته، ولعل عزوف الشباب عن الزواج في هذه البلدان مرده بالضبط إلى تداخل النماذج والمقاصد بشكل يجعل الزواج مشروعًا محفوفًا بالمخاطر، و المشكلة الأكبر هو أن المجتمع والقانون لا يتيح لهؤلاء الشباب أي إمكانيات أخرى لممارسة جزء فطري من إنسانيتهم في أي إطار آخر. أما الشق القانوني المرتبط بالتحرش فهو مطلوب حتى نربي الرجال العرب على العفة في الممارسة اليومية للحياة. وهنا يصطدم وجهان للعملة نفسها، فالعفة تقتضي يسر الزواج، وهذا اليسر قانونًا وشرعًا وأعرافًا هو وحده الكفيل في مجتمعنا بالقضاء على التحرش، لكننا للأسف نتجه نحو العكس تماما. التفكير في صياغة جديدة للعلاقات الإنسانية في مجتمعنا بما يعيد للعفة قيمتها ويسر بلوغها أمر ملح، يجب أن نفكر فيه جميعًا أفرادًا وأسرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد