كُنتْ أقِفُ أنا وصديقي ذاتَ يومٍ قريب لأجد طفلًا صغيرًا لم يتجاوز الثامنة في نظري يحمل جوالًا كبيرًا من القمامة وقد همَ أن يصعد إلى الرصيف فلم يستطع، وقد مد كفه لِنسانده في الصعود وفعلنا وانتهى الأمر.

لا أُحَدِّثك عن الموقف الإنساني لو ظننت ذلك، لكن مرور هذا الصبي أمامي لم يكن عابرًا، وإنما ظل لأيام عديدة يطرح علىّ الكثير من التساؤلات والتأملات والتي كانت تدور حول حقوق الإنسان وتساوي الفرص والعدالة الاجتماعية وبضع أمور أخرى لا نعرف عنها في مجتمعاتنا إلا اسمها، وأحيانًا ما يكون حتى التلفظ بالاسم جريمة يُعاقِب عليها القانون

«جميع الحيوانات متساوية.. لكن بعضها أكثر مساواة من غيرها» *جورج أورويل، مزرعة الحيوان.

مجتمعات الفُرص الضائعة

عُدتْ إلى ذكريات المرحلة الابتدائية والإعدادية، وأنا الآن في الشطر الأولِ من حياتي الجامعية؛ تذكرت العديد من الأصدقاء، وفي تحليل سريع لم يأخذ مني وقتًا كبيرًا عرفت أن هناك من اتجه للعمل في حرفة ما، وأن هناك من ذهب ليعمل على عربة «كارو»، وآخر يعمل أجيرًا في الحقول، وهناك من أكملوا تعليمهم، بالطبع ما أقوله الآن هو سنة الحياة، ففي اختلافنا رحمة ولا عيب في العمل في أي مهنة ما دامت شريفة، لكن ما أتحدث عنه أمر مختلف لا يتعلق بشرف المهنة، ولا يُمكنني أن أطلب أن يصير الناس متشابهين فأقول مثلًا إني أريدهم جميعًا أطباء، أو مهندسين، أو معلمين، أو حتى خريجي جامعات، لكن يُمكنني أن أطلب أن يسود العدل في توزيع الفرص، وفي إتاحة هذا الشيء له في الأصل؛ ليستطيع هو أن يُقرر بكامل إرادته أن يسلك هذا المسلك أو غيره.

أما ما يحدث للأمثلة التي ذكرتها سابقًا، فهو أنهم تُفرَض عليهم الكثير من الطُرق فرضًا فلا يجدون غيرها أمامهم فيصير الدخول فيها أمرًا حتميًا، وبالنسبة لكثير من الأشخاص الذين قد استطاعوا إكمال تعليمهم والوصول إلى المراحل الجامعية والتخرج وغيرها فهؤلاء أرى أنهم قد تهيأت لهم ظروف لم تتهيأ لغيرهم جعلت بقاءهم في سلك التعليم أمرًا مُمكنًا، وبالطبع لست بحاجة إلى أن أخبرك أن جوهر الأمر هو الحالة المادية للفرد التي يستند عليها في كل ما يقوم به؛ ولي رجاءٌ خاص وهو أن على مَن يختلف معي في رأيي ألا يتعلل بوجود أشخاص قد قهروا المستحيل وفعلوا الأفاعيل وكذا وكذا؛ لأنها ليست القاعدة، وإنما استثناء لذلك لا يُعتدّ بها. وهذا ما يجعل لدينا نوعًا من عدم المساواة الذي أجد أن أنسب ما يُعبر عنه هو مقولة جورج أورويل الساخرة الشهيرة في روايته «مزرعة الحيوان»: «جميع الحيوانات متساوية، لكن بعضها أكثر مساواة من غيرها»، لتتجلى لنا الكوميديا السوداء في أبهى صورها.

ليس لدينا إنسان

فضلًا! عُد معي إلى ذلك الطفل الصغير الذي كان يحمل جوالًا من أجولة القمامة يفوق حجمه مراتٍ عديدة، سأنقل لك الصورة كاملة لقد كان يضحك، ولم يكن يتألم، أو يبالي، أو حتى يعرف بأن هناك مئات الحقوق قد انتُزعت منه في تلك اللحظة التي بدأ فيها بالعمل، إن هذا الطفل هو مشروع صغير سيكبر حتمًا ليكون شخصًا كبيرًا يحيا حياة من المفترض أنها آدمية؛ فهو يعمل في جمع القمامة ولا يهتم لأمر التعليم وكذلك سيكون أبناؤه من بعده، وآخر سوف يعمل في الحقول كلما توفر العمل – في المواسم – ودون ذلك فهو يكافح لأجل البقاء حيًا!

جميعهم يدورون في دائرة «لُقمة العيش» المريرة التي تُقوِّض الحضارة وتُهلِك المرء لتجعل منه حيوانًا يعيش في جسد إنسان؛ هذا أقرب تصوير أراه. كما أنني عندما أنعت هؤلاء بالمساكين أو البؤساء لست أقول ذلك فقط لما أراه في حياتهم من آناة ومُعاناة بقدر ما أرى أنهم لا يعرفون حتى أنهم كذلك: مساكين وبؤساء ويحيَون كما البهائم، فعلى الأقل رحمًة بهم فلتعطوهم فرصة ليتألموا وُهم بشرًا وليسوا أنعامًا!

يا صديقي أرى أنه من الواجب أن أخبرك أن الفرص ليست ضائعة، بل هي موجودة ولو أردت التأكد فقط انظر حولك، لكن هناك من استولى على هذه الفرص بغير وجه حق وانتزعها انتزاعًا من أصحابها الحقيقيين، لتصبح مجتمعاتنا وبشكل عام عبارة عن جماعة لديها كل الفرص وجماعة أخرى فقدت آدميتها، وكل ما تفعله أنها تُكافح من أجل البقاء!

لو أخبرتني ماذا أفعل؟ سأخبرك أن سؤالك مخيف، ولذلك لن أُجيبك عنه، لكن سأُخبرك أيضًا انه من الجيد أن تعرف أن هُناك من يسرق منزلك حتى لو كنت أنت من سيمنحه خريطة المنزل ويفتح له الباب؛ على الأقل فلتعرف أنه الخائن السارق، وليس الصادق الأمين.

ما يُحزنني حقًا أن جميع هؤلاء المساكين لن يقرأوا كلماتي هذه ولن يعرفوا أنه لا زال هناك مَن يشعر بهم ويُشاطرهم آناتهم التي يشعرون بها وقد لا يعرفون أصلًا أنها آناة فقد أصبحت عليهم فرضًا كصلاتهم، ولن يفهموا حرفًا واحدًا مما أقول، هذا لو استطاعوا القراءة أصلًا، ولم أعرفْ بعد ماذا أفعلُ لأجلهم؟ غير أنني أكتب هذه الكلمات كنوعٍ من الأنانية عسى أن يستريحَ ضميري وتشقى مئات الألوف!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد