“حقوق الإنسان ليست ميزة تُمنح لقلة قليلة، بل هي حق مكفول للجميع، كما أن تعريف حقوق الإنسان يتضمّن حقوق كافة البَشر، بما في ذلك هؤلاء الذين في مقتبل أعمارهم، أو في خريف عمرهم، أو يَعيشون على هامش الحياة”.

-السياسية الأمريكية كاي جرانجر
وأنا أتصفح الجرائد المحلية والمواقع الإخبارية المصرية قبل أيام قليلة، عَلمت عن طريق المصادفة أن الحكومة المصرية تحضّر لجلسة استجواب فاصلة بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بشأن انتقادات وجهتها دول الأعضاء لمصر تتعلّق بقضايا وملفات لها صلة بحقوق الإنسان، منها على سبيل المثال لا الحصر ملفات قانون التظاهر وأحكام الإعدام والتمييز ضد المرأة والجمعيات والمنظمات الأهلية وغيرها.

وبمجرد تصفّحي لأخبار “المعركة الفاصلة” التي تستعد مصر لخوض غمارها دفاعًا عن سمعتها وشرفها أمام المجتمع الدولي – المقصود بمصر هنا الحكومة المصرية والنظام المصري بطبيعة الحال – وَجدتني أبادر زميل ليّ في العمل بقولي: “لن أتعجب إذا طالعت عناوين الأخبار المحلية عقب جلسة الاستجواب تلك بالأمم المتحدة، ووجدتها تشيد بردّ مصر المُفحِم على استفسارات الدول، وكيف ردّت مصر بالحقائق والبراهين على أكاذيب وافتراءات أوضاع حقوق الإنسان في مصر.”!

وكأنني قرأت الطالع أو “مكشوف عني الحِجاب”، أشادت بالفعل تلك الجرائد “السامية” ومواقع الأخبار ذات المهنية العالية الخالية من أيّة أيديولوجيات مسبقة، بالدور الذي لعبته مصر في الردّ على الانتقادات التي وُجهت إليها من الدول الأعضاء بالمجلس خلال مراجعة ملف البلاد، وكيف استطاعت الحكومة المصرية إخراس الألسن وتَشميت الأعداء والقضاء على تلك الحملات المنظّمة التي تستهدف النيل من الذات المصرية العليا في مسعاها النبيل للقضاء على الإرهاب في المهد!

ولم يَهتزّ لي جفن وأنا أطالع عنوان بجريدة الأهرام: “أمام العالم بجنيف، مصر ترد بالحقائق على الافتراءات حول أوضاع حقوق الإنسان،” وآخر بموقع مصراوي: “‘حماة الوطن”: مصر فضحت أكاذيب الإخوان أمام مجلس حقوق الإنسان”، أو حتى خبر على بوابة الهيئة العامة للاستعلامات التابعة للحكومة المصرية: “وفد مصر ينجح فى اختبار حقوق الإنسان بجنيف، هشام بدر: ممثلى الداخلية والعدل ردوا على استفسارات أحكام الإعدام”.

كل تلك الأخبار يَعرفها جيدًا المصري الذي “شَرب من ماء النيل”، ولا تَحمل أي عنصر من عناصر الدهشة أو التعجّب؛ فعلى مدار العقود الماضية، تعوّد المصري الأصيل على أن مصر هي مركز الأرض وكافة دول العالم تدور في فلكها ورحاها، وإذا وُضعت في اختبار عصيب، ستنجح دون شك في اجتيازه بطريقة تذهل العالم وتجعله يَركع أمام تلك العبقرية المصرية الفذّة منقطعة النظير،
وإذا ما أقدمت على فعل شيء ما، فإن هذا الفعل هو الصواب ودونه الخطأ دون شك، فهي كما يقول عنها شاعر النيل حافظ إبراهيم في قصيدته الخالدة “مصر تتحدث عن نفسها”: “وقف الخلق يَنظرون جميعًا… كيف أبني قواعد المَجد وحدي”!

ويبدو أن الإعلام المصري في تعامله مع أي نَقد تتعرّض له الحكومة أو النظام، يَتبنى مفهوم “حافظ إبراهيم” في بيته الشعري السابق؛ فعلى الرغم من أن سُنن الحياة ونواميس الكون تعتنق مبدأ “يوم لك ويوم عليك”، إلا أن الإعلام المصري لا يَرى سوى ذلك اليوم الأول الذي هو لمصر دون شك، ولا يَرى ذلك اليوم الآخر عليها الذي قد تتعرض فيه البلاد لوعكة صحية أو مَرض يَلم بها، إذا جاز التعبير!

ويَظهر ذلك جليًّا في إبراز “جَهبذة” الحكومة المصرية في الردّ على استفسارات الدول حول ملفات بعينها، وهو ما سَخرت منه منظمة العفو الدولية في بيان رسمي على موقعها الإلكتروني بعنوان: “دفاع مصر عن سجلّها في حقوق الإنسان مُثير للسخرية”؛ حيث قارنت المنظمة الدولية بين ردّ الحكومة المصرية على التوصيات الـ 225 التي أصدرتها جلسة مجلس حقوق الإنسان، وتلك الدراسات والتقارير التي قامت بها المنظمة نفسها في ذلك الصدد.

أولاً، فيما يتعلّق بتوصيات وقف العنف والتعذيب في أماكن الاحتجاز والسجون المصرية، جاء ردّ الحكومة المصرية: “يجرّم القانون المصري التعذيب وأنشأت وزارة الداخلية قائمة جديدة من المعايير الواجب تطبيقها من قبل مديري السجون لضمان وجود آلية لتقديم الشكاوى”.

ثانيًا، فيما يتعلّق بإنهاء والتحقّق من استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، ردّت الحكومة: “يَمنع القانون المصري استخدام قوات الأمن للقوة بما يتّفق مع المعايير الدولية للدفاع عن النَفس”.

ثالثًا، فيما يتعلّق باستقلال القضاء والحق في محاكمة عادلة، جاء الردّ المصري: “القضاء المصري مستقل وكافة المحاكمات تتفّق والمعايير الدولية”.

رابعًا، وبالانتقال إلى الحق في حرية التعبير والإفراج عن الصحفيين المحتجزين، عندها ردّ الجانب المصري: “يكفل القانون المصري حق التعبير، كما أن حرية التعبير شهدت مؤخّرًا “قفزة واسعة”.

خامسًا، فيما يتعلّق بمراجعة قانون الجمعيات الأهلية المتعسّف، ردّت الحكومة المصرية: “يكفل الدستور الحق في تكوين الجمعيات، كما أن العاشر من نوفمبر المقبل بوصفه آخر يوم لتسجيل الجمعيات الأهلية بموجب قانون تأسيس الجمعيات الأهلية، جاء بعد تشاور المجتمع المَدني”.

سادسًا، في شأن مراجعة أو إلغاء قانون التظاهر، ردّ الوفد المصري في جينيف بقوله: “ينظّم قانون التظاهر حق التجمع السلمي، كما تقوم الحكومة حاليًا بمراجعة القانون، كما أن حق التجمّع مكفول في الدستور”.

سابعًا وأخيرًا، فيما يتعلّق بإنهاء استخدام عقوبة الإعدام، ردّ الجانب المصري: “عقوبة الإعدام تعد جزءًا من نظام العدالة الجنائية وليس هناك توافق دولي حول إنهاء استخدامها”.

ولا يحتاج الأمر لخبير استراتيجي أو محلّل سياسي لاستنباط أن الردود المصرية السبعة جاءت على نهج واحد، ألا وهو: “مَن قال إن هذه الافتراءات والأكاذيب عندنا؟!” فلا أحد يَمس المتظاهرين الشرفاء السلميين، وكافة القوانين الحقوقية تتفق والمعايير الدولية ولا يوجد تعذيب أو اعتقالات للصحفيين أو الإعلاميين، والأجواء الطقسية بديعة، ولا يوجد تضخّم ولا نعرف الفقر أو الفاقة، فكافة المصريين يعيشون في رَغد من العَيش، والأمن مستتب ولم نسمع عن أية حوادث عنف أو تحرش ضد المرأة، ولا نعرف تمييّزًا بين المسلمين والمسيحيين، فمن أين أتيتم بأكاذيبكم يا آل فرعون، أقصد يا دول العالم؟!

أما عن التغطية الإعلامية المحلية لمناقشة ملف مصر بالمجلس الدولي لحقوق الإنسان، فَحدّث ولا حَرج؛ حيث اتفقت الصحف الحكومية والخاصة على أن 100 دولة دعّمت مصر في دفاعها عن تلك الاستجوابات الحقوقية، في حين أن هناك فقط 25 دولة “مارقة” وجّهت انتقادات شديدة اللهجة لمصر، من ضمنها أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وتركيا والبرازيل، وبطبيعة الحال جاءت تلك الدول بأجندات سياسية “قذرة” تريد بها النيل من سمعة مصر، وذلك على الرغم من النجاحات التي لا يَنكرها سوى كل جاحد والتي أحرزتها مصر على المستويين السياسي والحقوقي!

والغريب أن الإعلام المصري لم ينتقد الدور القطري هذه المرة، لأن قطر لم تُعادِ مصر كما جرت العادة أمام ذلك المحفل الدولي الهام، وإنما صبّوا جام غضبهم على سبع منظمات حقوقية مصرية لم يحضروا جلسات الاستجواب تلك في جينيف، بسبب اعتراضهم على قانون الجمعيات الأهلية الأخير، وبالطبع تم وَصم هذه المنظّمات بـ “الخيانة” و”عدم الوطنية” و”عدم تقدير ذلك الظرف الراهن في تاريخ البلاد” وغيرها من الصفات السلبية التي تُطلق على الجندي الذي يهرب أمام العدو في ساحات المعارك!

خلاصة القول، لم يَكن الردّ المصري موفقًا أمام تلك المناقشة الهامة لاستعراض ملف مصر الحقوقي بالأمم المتحدة، لأن البلاد تعاني مؤخّرًا من تدهور كبير في مجال حقوق الإنسان، كما أن محاولة إظهار أن مصر نَجحت عن جدارة في اجتياز تلك العثرة من خلال سجل إنجازاتها الحقوقية، يدعو فعلاً للسخرية ولن تَسكت عنه تلك البلاد التي أصدرت 225 توصية لمصر، وستتابع عن كَثب ما تم من إنجازات على أرض الواقع في ذلك المضمار، ولن يفيد وضع رأسنا في الرمال هذه المرة، لأن منظّمات حقوقية دولية شأن “هيومان رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية” وغيرهما طالبوا المجتمع الدولي بالضغط على مصر بكل صورة ممكنة لمنع التجاوزات الحقوقية، كما لن يُجدي نفعًا على الإطلاق تلميع الإعلام المستمر للحكومة وقراراتها “الحكيمة”، لأن المواطن أصبح من الصعب خداعه في ظلّ ذلك الانفتاح الإعلامي الحالي والثورة التقنية غير المسبوقة.

وياليتنا نتعلّم من أخطاء الماضي، والتمعّن في ذلك البيت من قصيدة حافظ إبراهيم الخالدة سابقة الذكر:

“وارفعوا دولتي على العلم والأخلاق … فالعلم وحده ليس يُجدي”، ولا نَقف فقط عند بيت: “وقف الخلق يَنظرون جميعًا … كيف أبني قواعد المَجد وحدي”!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد