حقوق الإنسان في بعض البلدان العربية ....إلى أين ؟!

اهتمت سائر الأفكار والمعتقدات الدينية بكافة أطيافها دون استثناء بالسعي وراء احترام الإنسان وصيانة حقوقه التي تميزه عن بقية الكائنات في هذه الكون المليء بالحروب والاقتتال وراء أطماع مادية وسياسية، فمن الجديد أن نكون على على دراية أن محور الإنسان ليس وليد اللحظة، بل منذ عصر هابيل وقابيل دونت أول جريمة انتهاك لحقوق الإنسان نتيجة شهوة إنسانية، وبما أن الإنسان هو لبنة هذه العالم، فلا يمكن أن تُستعمر الأرض بدونه، بيد أن التقنية الحديثة والذكاء الاصطناعي لعب دورًا خطيرًا في ازدياد وتيرة الحروب والاقتتال بين الأمم والشعوب، فبطبيعة الحال الأصل في الإنسان أن يعيش بحقوقه وصيانة كرامته، فإذا حصل على الحقوق المكفولة؛ فلا يمكن الاقتراب منه، فضلًا عن العبث به، وهذا ما تم إقراره في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948.

ورغم أن محور حديثنا يتركز عن الحقوق الإنسانية في الوطن العربي، إلا أننا لن نتمكن من سرد كل ما في أفكارنا نتيجة الانتهاكات التي حلت على البلدان العربية، خصوصًا بلدان الربيع العربي، لذا وجب علينا الإشارة بإيضاح السبب الرئيسي الذي عطل الحقوق الإنسانية في بلدان تعتقد أن الحق الإلهي مقدس وأن الإنسان خليفته في الأرض.

هناك قاعدة عامة تقول إن التضحية بالإدارة المؤسسية الرشيدة للدولة يؤدي إلى تراجع فعلي في احترام حقوق الإنسان وتسهيل الاعتداء عليه، فهذه الانقلابات كانت مدخلًا لتدهور نوعي في كفاءة الدولة ككل، وكذلك في انحدارها في ممارسة أنماط متنوعة من الاعتداء الجسيم على حقوق الإنسان في هذه البلدان.

إذن يتضح لنا جليًا من خلال هذه القاعدة العامة، أن السياسة الرشيدة هي التي ترسخ مبدأ حقوق الإنسان، فليس هناك أبسط آلية تمكن المراقب العربي والأجنبي من معرفة أن الشعوب العربية مسلوبة أيسر الحقوق، وإليكم نموذجًا من الحق في اختيار الوالي أو الحاكم: كم كانت نسبة الإدلاء بالانتخابات حسب ما نقله مراقبون خلال عام 2017 و2018؟

شهدت سبع دول عربية انتخابات وكانت النسبة كالتالي:

في الأردن بلغت نسبة الناخبين 31%، فلسطين الأحسن بالمشاركة 53%، تونس امتنع ثلثا الناخبين من الإدلاء بأصواتهم، والأغرب من ذلك أن المرشحين المستقلين حققوا أعلى نسبة من بين الأحزاب السياسية المعارضة والحزب الحاكم، العراق 44% أي أن 2 مليون فقط أدلوا بأصواتهم، وأجريت انتخابات في المغرب عام 2016 فكانت النسبة 43%.

أليست هذه الأرقام كافية وكفيلة في كشف مدى الاستبداد والظلم في حقوق الشعوب التي لا تملك لا حول ولا قوة سوى أن تطمح في من يعبد لها الطريق ويتعهد بأن تكون الانتخابات نزيهة؛ كي يستطيعوا أن يختاروا من يشاؤوا، لا ما يشاء الحاكم المزور وحزبه الصاد عن نقل معاناة الشعب.

ونتيجة لذلك حدث الربيع العربي؛ بسبب عدم تحمل الشعوب الظلم وانتهاك حقوقهم وحرياتهم، فبدأت الانتفاضات الثورية والتي لها صديد كأزيز المرجل، بداية من تونس الخضراء إلى الجزائر بلد المليون شهيد، فأزيلت أقنعة دعوى الإنسانية من وجوه الزعماء الفاسدين، وحصل الإخفاء القسري والتعذيب، وتفجير منازل المناهضين، واعتقال الآلاف، واستخدام الأسلحة الكيمائية، واستهداف المناطق السكنية، وزرع الألغام وتجيند الأطفال، والأشد من ذلك منع وصول المساعدات الإنسانية للمتضررين، دون مراعاة لأحكام الحرب وحقوق الأسرى.

الدول العربية مليئة بالمآسي والأحزان نتيجة غياب الحكم الرشيد، والخنوع والذل وراء الدول العظمى التي تدير العالم بالسلاح والمال، ومن المستحسن أن نتظرق لمبدأ حقوق الإنسان المتعلق بالقضية الفلسطينية، والتي تعد قضية إنسانية تاريخية في شرايين ودماء كل عربي يحمل هوية عربية قومية ترفض الذل والهوان، فالانتهاكات متكررة يومًا بعد يوم بحق شعب أعزل سلاحه الحجر، أمام العدو المغتصب، وللأسف الشديد نجد الزعماء العرب يتجمعون لمناقشة القضية الفلسطينة، وتجد كل زعيم يترنم بها حبرًا على الأوراق، بينما شعوبهم هي الشعوب المقهورة من الأنظمة الديكتاتورية.

وحتى تتضح الفكرة بمعناها الواسع، سنتطرق ولو بالإشارة العابرة إلى إحصائيات وأرقام ثابتة بحق القضية الفلسطينية، قضية كل العرب دون استثناء.

حتى اللحظة، أكثر من 7 ملايين لاجئ فلسطيني خارج فلسطين في انتظار تقرير حق العودة، فضلًا عن الآلاف من الفلسطينين الذين يهجرون من منازلهم على أيدي القوات الصهيونية بالصوت والصورة حسب ما تتداوله وسائل الإعلام، أليس هذا عبث بحق وانتهاك للحق الفلسطيني؟ ومما لا شك أن هذا يزيد في نمط النزوح الداخلي الذي يشكل على الأرجح نتيجة حرب، وبالإجمالي حسب الإحصائيات والتقارير الأخيرة أنه يوجد أكثر من 260 ألف فلسطيني يعانون من التهجير، وفوق هذا، ما زال الاحتلال الغادر يتوسع ويتمدد في الاستيلاء على الأراضي، والمباني السكنية، ونهب الثروات الطبيعية أمام مرأى ومسمع العالم. ألم يكن هذا تجاهلًا صارخًا، واستهتارًا بالقانون الدولي، والذي تُعد إسرائيل عضوًا موقعًا عليه، وتمتثل لمبادئ وقوانين الأمم المتحدة حد زعمها.

وفي مصر الكنانة، منذ اندلاع الثورة الشعبية، مورست أعمال وحشية وانتهاكات إنسانية دونتها منظمات حقوقية، وكان ذلك نتيجة ان الشعب المصري أراد ان يحسم مصيرة ليعيش كما يعيش أي شعب يؤمن بالحقوق ويلتزم بالواجبات امام الدستور والقانون.

إلا أنه في المقابل تجد سياسة حاكم مصر الحالي الهمجية على مناهضيه ومعارضيه؛ وذلك بارتكاب الجرائم الجسيمة دون محاسبة مبررًا تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، حتى وصل الحال إلى أن باتت السجون ممتلئة بالمعارضين، وأما حصل بحق الرئيس الشرعي فهي جريمة لا تسقط بالتقادم، وتعد من أكبر الجرائم الإنسانية على مر تاريخ مصر.

وأما ما يجري في المملكة العربية السعودية فليس بغريب، وذلك نتيجة السياسة التي ينتهجها ولي العهد الحالي، فلقد ضيق الخناق على المعارضين والناشطين السياسيين، وما حصل بحق الكاتب السياسي المخضرم جمال خاشقجي ليس ببعيد، فلقد علم بها الداني والقاصي، فالمتأمل في سياسة المملكة في العقد الأخير يشعر بأنها تعيش في حالة هيستيرية وقلق مزمن نتيجة ما حصل لدول الجوار، كاليمن وسوريا وليبيا ومصر، من اندلاع الثورات والانتفاضات، تلتها تدابير وقائية خارجة عن الإطار المعقول، ومواجهة أي صوت أو قلم حر أو معارض مصير ما وراء القضبان، ولو بالكلمة أو الرأي القابلة للصحة أو الخطأ، كما حصل للعلماء والدعاة الذين أبوا أن يلزموا الصمت أمام سياسة السلطان الجائر، تلت ذلك حملة اعتقالات هي الأكثر من نوعها، ومنع السفر للخارج للخصوم، ولفقت اتهامات وتحقيقات بحق عدد من المسؤولين.

كما سعت سياسة المملكة مؤخرًا إلى توسيع حقوق المرأة في مسألة السفر التي كانت غير مشروعة من قبل، والسماح لها بأخذ رخصة قيادة السيارة في حين كانت مسألة محسومة الجدل قبل أشهر، والسماح للشباب والشابات بحضور الحفلات، واستقدام كبار الفنانين الغربيين إلى بلد مهبط الوحي، بلد التوحيد، ولم تتوقف هذه السياسة الغربية عند هذا الحد، بل قامت بتقليص أو تقليل صلاحيات المؤسسة الدينية، كل هذا رغبة في أن ينال القبول وسمعة الاعتدال الوسطي، إلا أن هناك من الحقوقين والمراقبين لهذه الخطوات الانفتاحية يرجحون بأن المؤشرات سواء المتعلقة بتدني الحقوق والحريات العامة والشخصية، ما تزال منخفضة، ويؤكدون أن ليس هناك نقلة نوعية أو نهج جديد في حكم البلاد كما يزعم ولي العهد نتيجة الاضطهادات الحاصلة بحق الأقلية الشيعية من خطابات التطرف والتشدد الديني من قبل المؤسسة الدينية الرسمية.

لم تقتصر الحقوق المنتزعة على هذا فحسب، بل ما زالت الأصوات الحقوقية تعلو، والأقلام الحرة تدون على الصعيد الإقليمي والدولي بما يحصل بحق الشعب اليمني الأعزل، وما جنته هذه الحرب السوداء من قصف منازل الأبرياء وتفجيرها، وتعطيل موانئ النقل، وبعض المطارات الجوية، وبالمقابل تجدها تغيث الشعب وتهدئه بالدعم المالي عندما تجد أن أنياب الدول العظمى باتت تقترب منها، والحديث يطول في هذا الشأن ولكني تطرقت بما فيه الضرورة والحاجة من الإفصاح فيه.

ومما يؤكد لنا الاستهتار بحقوق الإنسان هو ما نراه من مبادرات الدول العربية كالأردن والبحرين وعمان والسعودية في تنظيم قوانين تعزز من حقوق الإنسان، وعدم الاتجار بالبشر، وحماية الأسرة والنساء والأطفال، ومما أجزم به لولا رقابة المنظمات الدولية والمحلية الحقوقية في الرقابة على حقوق الإنسان لارتكبت الحكومات الدكتاتورية ما هو أعظم وأشد بؤسًا من الوقت الحالي.

أما الحديث عن سياسة البحرين حول حقوق الإنسان، فهي ليست ببعيدة عن سياسة الدول المجاورة، والتي تستقي خطاب الكراهية والعداء ضد الخصوم، فضلًا عن استهداف المعارضات السياسية والمدنية، وتجريد الأعضاء المنتمين لها من الجنسية، واختلاق القضايا والتهم، والمنع من السفر إلى الخارج، بل والتعذيب والتهديد للمعتقلين في السجون؛ بذريعة تعاونهم مع المنظمات الدولية الحقوقية التي تحمي حقوق الإنسان وتسعى في تعزيز كرامته، وتجسد مبادئ القانون الدولي الإنساني، فما حصل في عام 2017 في حق الثلاثة الشبان ليس ببعيد، عقوبة إعدام بعد محاكمات تلتها انتهاكات خطيرة حسب ما رُصدت من قبل مراقبين ونشطاء على منصة الإعلام والتواصل الاجتماعي.

حتى أن الملك تعدى على الحقوق المكفولة للمواطن البحريني في التعبير عن رأيه؛ بأن قام بتعديل نصوص دستورية تسمح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية.

لم تتوقف هذه السياسية العنجهية في إطار دولة واحدة، بل إن هناك من الدول العربية من سنت تشريعات وإجراءات تنظم البث الفضائي، كي لا يتم نقل كل الحقائق التي يمارسونها بحق شعوبهم، لذلك نجد أن السلطة الرابعة (الإعلام) كفيلة أن تحمي حقوق الإنسان اذا لم تلاق أي عراقيل أو تحديات من نقل الحقيقة كما هي، وتكشف الانتهاكات الإنسانية بحق من لا يملك سلاحًا سوى سلاح الكلمة والقلم الحر، أمام حاكم لا يهمه إلا أن يتربع على كرسي العرش وسماع المديح فقط من شلة المنافقين التي تحيط به وتمجد أفعاله.

أما الحقوق الإنسانية في البلدان التي ما زالت في طور رحم المعاناة، كاليمن والعراق وليبيا، فهي ما زالت مليئة بالملفات السوداء التي تحكي عن أسوأ انتهاكات حصلت على الصعيد العربي، من جرائم يندى لها الجبين من سحل وتمثيل، واغتصاب وانتهاك لأعراض أسرى حرب، وعرضها على وسائل التواصل نكاية بالعدو دون مراعاة لأحكام الحرب.

ففي سوريا، لا تزال الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان ترتكب من قبل الأطراف المتحاربة، فتجد طرفًا مدعومًا من دولة سنية، وطرفًا آخر من دولة شيعية، ولكن المؤسف أن الدم هو دم سوري من كبار السن والنساء والأطفال، فقد غابت الإنسانية من تجار الحروب، وما زالوا يحدثون شعوبهم عن الإنسانية وعن الحقوق والحريات.

في الختام يمكنني أن أوجز قولي بأننا لسنا بحاجة إلى تقارير واجتماعات الأمم المتحدة وعقوباتها كي توقف هذه الكارثة الإنسانية بحق الشعوب المقهورة من قبل الأنظمة الدكتاتورية، بل نحن بحاجة إلى الإيمان بحق الحرية المساواة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، والإيمان بإبداء الرأي وحق التعبير، والتداول السلمي للسلطة، وعدم حصرها في فئة معينة لسبب عنصري أو عرقي أو جنسي أو جغرافي…إلخ.

وعلينا أن ندرك بوصفنا شعوبًا عربية أن قانون الحقوق هو ما يحق للناس التمتع به ضد أي حكومة على وجه الأرض، وهو ما لا يجب أن ترفضه أيه حكومة عادلة كما قال توماس جيفرسون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد