مغالطات، وادعاءات، وأكاذيب، وافتراءات، بتلك الكلمات ندد البرلمان المصري، وكبار المسؤولين، بالإدانات الأوروبية التي كشفت عن حجم انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، بعد واقعة مقتل جوليو ريجيني الباحث الإيطالي، الذي عذبه أفراد من الأمن المصري، قبل أن تلقى جثته على قارعة الطريق.

حاول مدبر الواقعة أن يخرج من أزمته فقتل خمسة مصريين خلال مداهمة أمنية، مدعيًا أنهم وراء خطف الطالب الإيطالي وقتله. رفضت روما تلك الرواية، وصدقت أجهزة الدولة المصرية صحة الرفض، معلنة استمرار البحث عن الجناة، وذهبت دماء المصريين دون محاكمة.

وبعد سنوات، وبيانات، وخطابات، ومراسلات، سمع بها العالم بأسره على مدار الأعوام الماضية تيقنت النيابة الإيطالية أن النظام المصري ليس عنده الجدية في تسليم الجناة، لا سيما كونهم في ضمن جهاز أمني لا يبيع أبناءه، ولا يعترف بأخطائهم.

تطورت الأمور إلى حد أن صوت البرلمان الأوروبي مؤخرًا على مشروع قرار ينتقد أوضاع حقوق الإنسان المتردية في مصر، وعلى إثر ذلك انتفض مجلس النواب – المعني في الأصل بالدفاع عن حقوق المصريين وحمايتهم بتشريعات تحجم دور السلطة التنفيذية وتدفعها إلى سلوك قويم – رافضًا القرار ومؤكدًا أن حقوق الإنسان في مصر في أفضل حال، وما أورده البيان الأوروبي ما هو إلا أكاذيب ومغالطات مغايرة للواقع تستهدف النيل من أمن مصر وسيادتها.

وفي الأثناء بدأ الجانب الإيطالي بمحاكمة مسؤولين أمنيين، يشتبه في قيامهم بتعذيب وقتل طالب الدكتوراه من جامعة كامبريدج، في إيطاليا غيابيًا، وذلك بالتزامن مع تصاعد الإدانات الدولية، لسجل مصر الحقوقي وانتهاكاتها المستمرة. ولم يرضخ النظام في مصر لتلك التطورات، بل أطلق حملة إعلامية شرسة تندد بالمحاكمة التي تتم غيابيًا للمسؤولين المنتمين للجهاز الأمني رفيع المستوى، كما أبدى غضبه للتدخل الأوروبي في الشأن الحقوقي المصري.

وعلى الفور طالب الإنتربول المصري الحكومة الإيطالية بتسليم دبلوماسيين سابقين اتهموا بتهريب آلاف القطع الأثرية المصرية إلى إيطاليا في 2008، من بينهم لاديسلاف أوتكر سكاكال، الذي شغل منصب القنصل الفخري السابق في الأقصر، متجاهلًا التساؤلات التي سيطرحها البعض عن صمت النظام طوال الفترة الماضية، وأسباب المطالبة بتسليمهم الآن.

وعلى نهج الحواري المصرية القديمة رسم النظام المصري في ذهنه مستقبلًا مغاير لقضية ريجيني معتقدًا أن الملف سيغلق على طريقة «محضر قصاد محضر»، والجميع يذهب سالمًا إلى بيته، ولكن الأمور تهدأ، وصفقات السلاح مع روما لم تجد نفعًا كما كان مرجوًا.

وضمن محاولة جديدة للإفلات، أصدر النائب العام حمادة الصاوي مؤخرًا قرارًا بإغلاق التحقيق في القضية، مؤكدًا أنه لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية في واقعة قتل ريجيني وتعذيبه بدنيًّا لعدم معرفة الفاعل؛ ما دفع النيابة العامة في روما إلى التنديد بالموقف المصري، مؤكدة مواصلة العمل على كل المستويات، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي حتى التوصل إلى الحقيقة في القضية الوحشية، على حد وصفها.

القضية لم تغلق.. تدخل البرلمان الأوروبي فاقم أزمة النظام، فبعد أن صوت على مشروع قرار ينتقد أوضاع حقوق الإنسان المتردية في مصر، بأغلبية بلغت 434 من الأعضاء، في مقابل اعتراض 49 وامتناع 202، شددت أوروبا على ضرورة النظر في اتخاذ تدابير تقييدية ضد مسؤولين مصريين رفيعي المستوى متورطين في انتهاكات خطرة، وذلك وفقا لقانون «ماغنيتسكي».

وأكد قرار البرلمان الذي تضمن 19 بندًا، على ضرورة إجراء مراجعة عميقة وشاملة لعلاقات الاتحاد الأوروبي مع النظام المصري، لا سيما أن وضع حقوق الإنسان يتطلب تدخل جاد لحماية المواطنين، ولم لا فأعداد السجناء السياسيين ترتفع يومًا بعد يوم، والأحكام شديدة القسوة التي تصل إلى الإعدام قبل إنهاء درجات التقاضي مستمرة. كذلك هناك تجاهل عام للتصفيات خارج نطاق القانون، والجميع يغض الطرف عن بلاغات الاختفاء القصري التي تشمل منتمين لجميع التيارات السياسية.

كل من تحدث في ذلك الملف برر أن مصر لها جهود عظيمة في حفظ الأمن والاستقرار، كأن حفظ الأمن لا يأتي إلا على جثث وأشلاء المصريين، الآلاف ممن يقبعون في السجون دون محاكمات، والآلاف ممن اختار لأنفسهم منفى طوعي خشية التنكيل بهم – وأنا أحد هؤلاء – والمئات ممن قتلوا خلال السنوات الماضية، يرسم كل ذلك أبشع حقبة في تاريخ الجمهورية المصرية.

استمرار حملة القمع ضد النشطاء السياسيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والصحافيين المعارضين لنظام الدولة، سيظل اهتمام العالم، وإن غض البعض من قادة الدول الطرف عن تلك الانتهاكات سيأتي عاجلًا أم آجلًا، من يدعو إلى فتح تحقيق عادل، ويوجه التهم لمسؤولين بأعينهم، فمثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم.

مطالب أوروبا بالإفراج الفوري وغير المشروط عن المحتجزين تعسفيًا والمحكوم عليهم لقيامهم بعملهم المشروع والسلمي في مجال حقوق الإنسان طبيعي، وستستجيب الدولة بالرغم عنها، لا سيما بعد أن أصبحت محط أنظار دول أوروبا ومنظماتها، وقريبًا سيأتي الرئيس المنتخب بايدن، وسيحرك الماء الراكد في ذلك الملف الذي أرهق كاهل المصريين، وجعل الحياة في مصر تمثل خطورة على الرافضين للسياسات القمعية لأجهزة الدولة.

دائمًا ما تجلب سياسيات النظام الحاكم في مصر المصائب، مصيبة تلو الأخرى، ودائمًا ما يضع رجال الحكم أنفسهم في مأزق، نتيجة لعدوانية شديدة يتعاملون بها مع الملفات المختلفة، فالطريق التي بدأها الاتحاد الأوروبي لن نصل لنهايتها في سلام، بل إن النظام قد يواجه قريبًا وقف صادرات الأسلحة، وتكنولوجيا المراقبة، التي يستخدمها ضد المعارضين السياسيين، وشبكات حقوق الإنسان، إضافة إلى نشطاء المجتمع المدني، ووسائل التواصل الاجتماعي.

مقتل ريجيني ضيق الخناق على النظام الحاكم في مصر، وربما يساعد في وقف آلة البطش التي بدأت منذ 2013، بعد الإطاحة بالرئيس المنتخب، لا نعول كثيرًا على القرارات الأوروبية أو الأمريكية المنتظرة، ولكن ربما تكون وسيلة للضغط على النظام المصري، بهدف دفعه لتخفيف القبضة الأمنية، وإحداث انفراجة في الحياة السياسية والحقوقية في مصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد