في الوقت الذي نجحت فيه الحكومة الاحتلال الإسرائيلية في التطبيع علنًا مع أربع من الدول العربية، وظنت أنها في ظل ما تقوم به من نشاطات استيطانية باتت قاب قوسين من الظفر بالقدس، وأن الحديث عن دولة فلسطينية بات ضربًا من الخيال، رفعت منظمة «هيومن رايتس ووتش» تقريرها متهمة إياها باقتراف جريمتين ضد الإنسانية في حق الشعب الفلسطيني هما التمييز العنصري والاضطهاد. تقرير تعاملت معه وسائل الإعلام الغربية بجدية، ورحبت به السلطة الفلسطينية، في حين شبهته جريدة معاريف «بالقنبلة على أبواب إسرائيل»، كما سارعت وزارة الخارجية الإسرائيلية  بالتهجم على منظمة «هيومن رايتس ووتش» متهمة إياها بالمغالطة والمعاداة لدولة إسرائيل.

نظام الأبارتايد من جنوب أفريقيا إلى إسرائيل

«إن الوجود في فلسطين هو توفير مكان لشعب على أرض لا يوجد بها شعب»، بهذا الادعاء الكاذب بررت حكومة الاحتلال الإسرائيلية الاستعمار الاستيطاني، ومارست شتى أنواع التمييز العنصري والاضطهاد ضد الشعب الفلسطيني. وقد شبه تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» ما يحصل في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما وقع في جنوب أفريقيا، هناك حيث حكمت أقلية لم تتجاوز 4 ملايين على 29 مليون نسمة بالعيش في جحيم التمييز العنصري، وعزلتهم في مناطق تفتقر لأبسط مقومات العيش الكريم، وحجزتهم فيما سمي بالبنتوستانات، وطن البنتو، أي السود، ومارست عليهم أبشع أنواع التفرقة العنصرية؛ إذ سحبت منهم الجنسية، وحرمتهم من حقهم في التنقل، وحقهم في الاقتراع، ومن حقهم في التمتع بمقدرات الدولة الاقتصادية وثرواتها، مما اضطرهم للعيش على أطراف المدن في أحياء من صفيح وفي ظروف عيش لا إنسانية. نظام عنصري قمعي تم تفككه سنة 1990 على يد رئيس جنوب أفريقيا فريدريك دي كلارك، بينما يعيش الشعب الفلسطيني إلى يومنا هذا ومنذ 72 عامًا تحت حكم دولة الأبارتايد الإسرائيلي، تمييز عنصري واضطهاد ممنهج من نزع للممتلكات وعزل، وتوسع استيطاني مستمر، وهدم للمنازل وتهجير قسري، وقيود مفروضة على التنقل و الإقامة، وسن «قانون المهجرين» للاستيلاء على أملاك الفلسطينيين بالخارج، وهضم للحقوق الأساسية، واعتقالات، ومحاكمات جائرة طالت حتى الأطفال، ومن تعذيب للمعتقلين وسوء المعاملة، ومن قتل وسفك لدماء الفلسطينيين، ومن اعتداءات على المقدسات الإسلامية. أما نقطة الاختلاف بين الأبارتايد بجنوب أفريقيا وبين أبارتايد الاحتلال الإسرائيلي فيتمثل في سعي حكومة جنوب أفريقيا لإبعاد وعزل المواطنين ذوي الأصول الأفريقية والآسيوية وإبقائهم خارج الأحياء التي يقطنها مواطنون ذوو الأصول الأوروبية. أما الحكومة الإسرائيلية فهي تنكر على الفلسطينيين حقهم في أرضهم وطنهم. وهي بذلك تنتهج التمييز العنصري القائم على الدين، فتمارس سياسة التهجير القسري حتى لا يبقى في أرض فلسطين المحتلة سوى اليهود، وذلك بإقامة المستوطنات، وافتكاك الأراضي وطرد الفلسطينيين، وعدم ذكر العشرات من القرى الفلسطينية على الخرائط تمهيدًا لتصفيتها.

قطاع غزة والضفة الغربية بانتوستانات إسرائيلية

يعيش سكان الضفة الغربية تحت حكم السلطة الفلسطينية، ومع ذلك فان 60% من أراضي الضفة تحت سيطرة إسرائيل. كما تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى توسيع الاستيطان بضم مناطق من الضفة الغربية وصل إلى أكثر من مليوني دونم من الأراضي، مما يعني ثلث الضفة الغربية، كما أن أكثر من 30% من الأراضي استخدمت لصالح المستوطنات، رغم أن الحكومة الإسرائيلية اعترفت أنها على ملك الفلسطينيين. كما لم يستثن فلسطينيو الضفة من التمييز والاضطهاد، فحاملو هوية الضفة الغربية ممنوعون من البناء على أراضيهم، وممنوعون من دخول القدس الشرقية، والأراضي خلف جدار الفصل والمستوطنات الإسرائيلية إلا بتصاريح يصعب الحصول عليها. كما تم وضع 600 حاجز للتأثير السلبي في الحياة اليومية داخل الضفة ومنعتهم من حرية التنقل ولم الشمل، وقامت بهدم 848 منزلًا ومستخدمًا لكسب العيش في الضفة الغربية مع استخدام مفرط للقوة في عمليات إنفاذ القانون، أو التفتيش أو تفريق المتظاهرين. وفي غزة فرضت دولة الأبارتايد الإسرائيلي حصارًا جويًّا وبحريًّا وبريًّا، وفرضت قيودًا مشددة على دخول البضائع منها وإليها، مما تسبب في انعزالها عن العالم الخارجي وأجبر 80% من سكان غزة على العيش على المساعدات الإنسانية. وضع كارثي جعل من عائلات بأكملها تعيش بدون كهرباء، بجانب أن 96% من إمدادات المياه غير صالحة للاستهلاك، أما حاملو هوية غزة فممنوعون إلا باستثناءات نادرة من الخروج من غزة، أو العيش في جزء آخر من الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية بما يشمل القدس الشرقية. تمييز عنصري واضطهاد جعل من الضفة الغربية وغزة أنموذج لبانتوستانات إسرائيلية تمارس فيها دولة الاحتلال شتى أنواع التمييز العنصري والاضطهاد الممنهج.

حي الجراح بالقدس الشرقية مثال حي على الأبارتايد الإسرائيلي

تعيش هذه الأيام القدس الشرقية على وقع احتجاجات مساكني حي كرم الجاعوني بالشيخ الجراح، الذي كان يخضع للسيادة الأردنية كباقي مدن الضفة الغربية قبل الاحتلال الإسرائيلي سنة 1967، وبدأت الأزمة حينما استصدرت جمعيات استيطانية أوامر بإخلاء عائلات فلسطينية من منازلها مدعية أن عائلات يهودية كانت تعيش هناك وغادرنها خلال حرب 1948. ويطالب أهالي حي كرم الجاعوني السلطات الأردنية بمدهم بوثائق تثبت ملكيتهم للعقارات المتنازع عليها. وقد وقع استئناف قرار الإخلاء من طرف العائلات المهددة بالخروج من منازلهم. إن إخلاء حي كرم الجاعوني ليس بالسابقة فقد سبقته عملية إخلاء لحي كرم المفتي بالشيخ جراح وتم بناء مستوطنات يهودية وذلك لربط القدس الشرقية بالغربية. وإثر تزايد نصرة قضية حي كرم الجاعوني وانضمام نشطاء فلسطينيين وأجانب للاحتجاجات، جنحت السلطات الإسرائيلية إلى الاستعمال المفرط للقوة من قنابل صوتية، ورصاص معدني مغلف بالمطاط والمياه العادمة لتفريق أهالي الحي وعدد من النشطاء، مما أسفر عن إصابات واعتقالات في صفوف المحتجين، ثم تم التصعيد من الجانب الإسرائيلي بعزل حي كرم الجاعوني وتحويله إلى ثكنة عسكرية بوجود مكثف للخيالة، وحرس الحدود، والقوات الخاصة، والشرطة لمنع وصول المتضامنين للحي، وتمهيدًا لإخلاء المنازل لفائدة المستوطنين. وأمام هذا القمع طالب أهالي حي كرم الجاعوني بتصعيد المقاومة الشعبية والتحرك لإنقاذ حي هو اليوم يتعرض إلى أبشع أنواع التطهير العرقي.

المسجد الأقصى والأبارتايد الإسرائيلي

دخلت القوات الإسرائيلية المسجد الاقصى لأول مرة في ثالث يوم من حرب 67، ورفعوا العلم الإسرائيلي على قبة الصخرة، وحرقوا المصاحف، وصادروا مفاتيح أبوابه، ومنعوا الصلاة فيه وإقامة الأذان. ثم أعادوا مفاتيح الأبواب إلى إدارة الأوقاف الإسلامية باستثناء مفتاح باب المغاربة، ليكون ممرًا لليهود للوصول إلى المسجد الأقصى دون أخذ إذن من الإدارة. كما استولوا على حائط البراق وجعلوه مزارًا يهوديًّا مع منع الفلسطينيين من الوصول إليه. ومنذ ذلك التاريخ والاعتداءات الإسرائيلية متواصلة على المسجد الاقصى وعلى المصلين، ففي سنة 1982 استشهد العديد من الفلسطينيين وجرح العشرات من جراء إطلاق نار عشوائي، وفي سنة 2000 اقتحم أرييل شارون ساحات المسجد الأقصى، أما في 2010 فقد أدى حاخامات الحريديم طقوس الصلاة اليهودية فيه، كما حدثت مواجهات دامية بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال في سنة 2017 عندما جرى إغلاق المسجد الأقصى وفرض بوابات إلكترونية. أما في 2019 فقد اقتحم 1200 مستوطن المسجد الأقصى في العشر الأواخر من شهر رمضان. اعتداءات تزداد حدتها بالتزامن مع المناسبات الدينية كما يحدث هذه الأيام المباركة من شهر رمضان المعظم بوجود عسكري مكثف لم يشاهد مثله منذ سنوات ووضع الحواجز لمنع الوصول إلى مسجد الأقصى، وتفريق للمصلين باستعمال القوة المفرطة من قنابل صوتية ورشهم بالمياه العادمة ذات الرائحة الكريهة، وإطلاق الرصاص المعدني المغلف بالمطاط، ورمي القنابل الصوتية، مما أسفر عن عديد الإصابات بين المصلين طالت حتى الأطفال. قمع ممنهج من دولة الأبارتايد الإسرائيلي رغم النداءات المتكررة من المجتمع الدولي للتهدئة ووقف الاعتداءات على المصلين بالمسجد الأقصى.

يعد تقرير «هيومن رايتس ووتش» «تجاوزًا الحد» والذي اتهمت فيه المنظمة قوات الاحتلال الإسرائيلي بجريمتي التمييز العنصري والاضطهاد في حق الشعب الفلسطيني، والذي جاء بالتزامن مع فتح تحقيق في جرائم حرب على الأراضي الفلسطينية من قبل المحكمة الجنائية الدولية، فرصة لاستنهاض الهمم وكسب تعاطف ودعم المجتمع الدولي للضغط على دولة الاحتلال حتى توقف ما تمارسه من تطهير عرقي للشعب الفلسطيني. هذا التقرير الذي أزعج دولة الأبارتايد للاحتلال الإسرائيلي والذي حاولت الضغط لطمسه وعدم صدوره كما فعلت مع تقرير «إسكو» يجب أن يكون ورقة رابحة في يد الفلسطينيين، وعليهم استغلالها لصالحهم في مسيرة التحرر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد