«لا يوجد شيء اسمه مأساة الإنسان المعاصر»!

أول ما يمكنني أنْ أفتتح به التدوينة هذه العبارة التي قفزت لرأسي حالما أنهيتُ رواية «المسخ»، أجل هذه العبارة كانت بداية استغراقي في التفكير بما وراء هذه الرواية. قد تقولون كيف ذلك؟

إنّ القارئ لرواية فرانز كافكا «المسخ» يرى فيها أول ما يرى رواية قصيرة تحكي قصة تحوّل إنسان لصرصار، ثم معاناته في حياته الجديدة، ووصف ما يتعرض له من مشاكل وصعوبات تواجهه وما إلى ذلك. لكن ما إنْ يتعمّق القارئ فيها جيدًا، أو يعيد القراءة ثانية حتى يلاحظ أنّ كافكا قدم لنا الكثير من أطروحات الحياة ومشاكل الإنسان في هذه الرواية القصيرة، بدءًا بالحياة العملية وانتهاءً بالحياة الشخصية وتفاصيلها.

فمعاناة «جريجور سامسا» بطل الرواية الذي يعمل بائعًا جوّالًا لدى إحدى الشركات ليس إلّا تقديمًا لمعاناة الإنسان في العمل، وما يتعرض له من ضغط وإهانات، وإجبار على العمل بالرغم من سوئه، أو سوء معاملة الزبائن، أو أرباب العمل، ناهيك عن الظروف التي تجبر الإنسان على عمل لا يحبّه، لا لشيء سوى أنّه مُلزَم بالكثير من القيود الحياتية والمعيشية الصعبة.

أمّا عن جزئية التحوّل وما بعدها – وهي الأهم بالنسبة لي – فإنّ كافكا يطرح لنا عدة قضايا يجسّدها من خلال هذا الإنسان الصرصار «جريجور»، ففي بادئ الأمر – مثلًا – يواجه أهله ومديره بشكله الجديد – الصرصار – دون أن يأبه لردود أفعالهم، وما أظن هذا سوى إلماح من الكاتب لقضية مواجهة الآخرين حين يتغير فينا ما يتغير، بحيث لا نأبه للنتيجة أيًا كانت. وهذا يضعنا كأشخاص نتغير باستمرار أمام سؤال لحوح: كيف يمكن أن نكون أقوياء في استيعاب ومواجهة التغيرات التي تحدث فينا؟ كيف يمكن أن نصير مثل «جريجور» عندما فتح الباب وواجه عائلته والباشكاتب بشكله الجديد؟ أن نصير مثل «جرسيتايتن» كيف يمكننا أن نواجههم بأفكار جديدة ومعتقدات قد لا تتناسب وأفكارهم وثقافتهم المحيطة؟

سؤال يفتحنا على سؤال آخر: كيف يمكننا التأقلم مع بيئة لا تتناسب وتغيراتنا؟ أو ترفض التغيرات وتنبذنا ما إن ترى الاختلاف جليًّا في تصرفاتنا وتعاملنا مع الآخر أو تعاطينا معها!

إنّ سرد كافكا لشعور الانسان بهذه الدقة والتفصيل يجعلنا نوقن أنّ معاناة الانسان منذ عصر كافكا إلى عصرنا هذا هي المعاناة نفسها، ومأساته هي ذاتها اللهمّ لا فرق إلّا في التعقيد الذي صار يفرضه علينا العصر الحديث بتطوراته وأزماته التي تصحبها، وتلقي بأثقالها على كاهل الفرد وحياته التي أصبحت منوطة التحديث المستمر.

هذا يقودنا لمشكلة أساسية عانى منها الإنسان ومنذ أمد طويل ولم يزل، ألا وهي «التقبّل» فكثيرًا ما يجد الفرد في محيطه رفضًا من الآخرين، سواء أكان هذا الرفض ناتجًا عن اختلاف الأفكار، أو المفاهيم، أو الشكل، أو المعتقدات، وبالنظر إلى هذه الاختلافات الكثيرة نجد أنّ كل اختلاف له تبعات معينة، وآثار مختلفة، إلّا أنّها كلها تلتقي في نقطة «التقبل»، والتجاوب مع هذا الفرد، وبالتالي إمكانية التعاطي معه، والتأثر بما يحمل في جرابه، وقد تجلّى هذا في رواية كافكا عندما رفضت العائلة التعامل مع «جريجور» بعد تحوله واختلافه عنهم في تصرفاته التي تناسب طبيعته الجديدة.

ونلمح في الرواية شيئًا آخر قد يساعدنا على تقبّل الآخر أحيانًا، أو يكون عاملًا أساسيًا في التقبّل، إنّه «الشفقة» أجل هذا الإحساس الذي يُخالجنا نتيجة إحساسنا بضعف الآخر، أو عجزه وقلّة حيلته حيال نفسه وبيئته والآخرين، فنجدنا نتعاطى معه، أو نساعده بشيء من الحيادية، أو الحذر، أو النزق، تمامًا كما فعلت أخت «جريجور» بُعيد التحوّل، إذ كانت تتعاطى معه بحذر جَلِيّ في وصف كافكا لتصرفاتها.

إنّ الإنسان هو الإنسان، والمأساة هي المأساة، هذا ما أراد كافكا أنْ يقوله لنا حين كتب هذه الرواية، أو على الأقل هذا ما خلصتُ إليه من قراءتي لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد