هذه مجموعة مقالات تهتم بمنهج الإسلام في الحياة، وبنائه للإنسان في كل جوانبه المادية والعقلية والروحية، بما يحقق له الأمن والرقي وعمارة الكون وفق ما أراده الله عز وجل منه. وهذه بعض المقالات التي ستكتمل تباعًا حال الموافقة على نشرها.

الإنسان إلى أين؟!

منذ أن أضحى العالم قرية صغيرة، وتداولت المعلومات بشكل لحظي وآني، وتداخلت الثقافات وتوحدت مطالب الإنسانية، والإنسان يبحث بنفسه عن موطئ قدم.

ماذا يريد من الحياة؟ هل يريد التقدم المادي والاقتصادي والترفي لمطالب جسده ورغباته؟ أم يريد إشباع عواطفه وعقله وأشواق روحه إلى الانسجام مع الكون المسخر له؟ أم يقع فريسه لآلة ضخمه انطلقت بلا توقف لتعليب عقول البشر وفق إرادة القائمين على هذه الآلة.

إن التقدم المادي الرهيب في جانب، والفقر والتخلف الجسيم في جانب آخر يجعل وسيلة التقاء البشر وتوافقهم في كلا الجانبين مستحيلاً؛ فأحدهما ينتج ويخترع ويتقدم بلا حدود، والآخر يقف مشدوهًا ﻻ يرى موضع قدميه، حتى إنه ليعجز عن استثمار موارده ومكناته الذاتية التي قد تضع له موطئ قدم على بداية الطريق .

إن احتياج الطرفين بعضهما لبعض حتمية كونية، كما أنه ضرورة وجود، حتى ولو احتاج أحدهما للآخر ليجرب وسائل فتكه ومخترعاته فيه، واحتاج ثانيهما للأول ليسد رمقه ويحاول تقليده منبهرًا بما وصل إليه متخليًا عن ذاته وثقافته وتاريخه .

ثمة نوع ثالث انطلق في التقدم الاقتصادي والعلمي محاولاُ الحفاظ على هويته وذاتيته وخصائصه الثقافية والحضارية .

الإنسان في كل الاتجاهات والطرق ما زال يبحث عن طريق تلبى فيه رغباته المادية وأشواق روحه وعقله رغم اندفاعه فيما اختاره من طريق، فهو يخشى الوقوف ليتأمل أو ينظر حوله ليرى كم أفنى من البشر في صراعه مع الكون، خشية أن يفنيه من يهرول معه أو من وراؤه .

الإنسان في المنهج الإسلامي

تناول القران الكريم الإنسان بكل جوانبه الجسدية والنفسية والروحية، عكس المناهج الأخرى التي نظرت إليه جسدًا ماديًا، فقط بأعم أن هذا الجانب هو ما يمكن إخضاعه للتجربة، وأن نتائجه اكثر دقه علميًا، رغم اكتشافهم مؤخرًا خطأ هذا المفهوم، «أبريك فروم، الدين والتحايل النفسي. ترجمة فؤاد كامل، مكتبة، غريب القاهرة»، تنبه إلى مدى قصور علم النفس الحديث وعجزه عن فهم الإنسان فهمًا صحيحًا، وبأنه شوه الإنسان عندما أغفل الجانب الروحي فيه، والواقع أن منهج القرآن في نظرته للإنسان أنه كل متكامل وأنه مع كونه جسدًا له متطلباته فهو روح ونفس لها متطلباتها. وهو ما يدركه البشر جميعًا، سواء توصلوا إلى كيفية ذلك أم عجزوا عنها؛ فالقيم الأخلاقية والمعاني التي يعجز العلم عن تفسيرها ﻻ يعني أنها غير موجودة، الإنسان في القرآن قوة فاعلة مريدة مختارة تعمل على الإعمار والتقدم وعمارة الكون. «هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ» هود 61

هذه المقالات للتأمل الهادئ في مصير الإنسانية المتحركة بلا هدف، أو الواقفة بلا أمل، أو الباحثة عن الحركة الهادفة لسعادة البشرية.

داعيًا كل الأصدقاء مشاركتي تلك الجلسات الهادئة بعيدًا عن التعصب الفكري أو الطائفي أو اختلاف الرؤى والرؤية متى كانت من الجدية والرزانة ونبل الهدف في موضوعها، وأدعو الله أن تنال إعجابكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد