الإنسان هو المخلوق الأعلى رتبة بين المخلوقات التي نعرفها، وهو يختلف عن بقية المخلوقات بأن له عناصرلا مادية يتكون منها لا يمكن إخضاعها للقياس والتجربة العلمية، هذه العناصر هي العقل والنفس والروح بالإضافة إلى الجسد المادي، واختلافه عن بقية المخلوقات في ذلك نشأ من أنه إما انفرد عنها بتكونه من هذه العناصر الأربعة مجتمعة في حين أنها قد تتكون من بعض هذه العناصر لا كلها، أو لأنه صاحب النسبة الأعلى والدرجة الأرفع في تعامله مع هذه العناصر الأربع، فهو الأكمل جسدًا أو الأرقى عقلًا أو الأعظم نفسًا أو الأصفى روحًا.

 

وقد نشأت احتياجات عدة لكل عنصر من هذه العناصر وجب على الإنسان أن يشبعها ليشعر بالتوازن، فعلى سبيل المثال: يحتاج الجسد للطعام، والعقل للعلم، والنفس للتقدير والحب، والروح للسمو، وإذا طغى الإنسان في طلب احتياج لأحد العناصر على حساب بقية احتياجات العناصر الأخرى فقد التوازن وبالتالي يتعرض لاضطراب يؤثر على سلامته، وعلى سبيل المثال: المرض للجسد، والخرافة للعقل، والحزن للنفس، والجفاف للروح.

 

وفكرة الحاسب الآلي، فكما نزرع نظام تشغيل بداخل الحاسوب ثم ينفرد كل منا بحاسوبه فيستخدم حاسوبه استخدامًا خاصًا مختلفًا عن غيره، كذلك زرع الله فينا نظام التشغيل الموحد بين جميع البشر ثم يقوم كل بشري منفردًا باستخدام نظام تشغيله وفق ما يريد سواء في الخير أو الشر، ونظام تشغيل البشر هذا لا بد أن يتوافق مع المكونات الأربعة للإنسان (الجسد والعقل والنفس والروح).

 

على سبيل المثال: الشهوة للجسد، والمنطق للعقل، والحب للنفس، والعبودية للروح، وربما نسمي نظام التشغيل هذا بالفطرة، والتي تهدف دائمًا إلى دفع الإنسان إلى تحقيق التوازن بين مكوناته إلا أنها تتعرض للكثير من المؤثرات الداخلية والخارجية التي تؤثر عليها (مثل الإرادة الحرة – الضمير – طغيان عنصر على آخر – البيئة المحيطة – الأحداث اليومية – إلخ) ولكنها مهما كان التأثير الواقع عليها فإنها تبقى في الحد الأدنى لها مؤثرة على الإنسان بشكل أو بآخر، وقادرة – إذا طاوعتها إرادته – أن تعيده إلى التوازن بين مكوناته.

 

هذا التوازن هو بالمصطلح الإسلامي (الصراط المستقيم) الذي يرضي فيه الإنسان جسده وعقله ونفسه وروحه دون أن يطغى أحدهم على الآخر.

 

وهذه الفطرة متوافقة مع قيم الخير المطلقة لأن مصدرها هو المطلق (وهذا ما أفسر به قوله تعالى “ونفخت فيه من روحي”) حيث نفخ الله في الإنسان نفخة إلهية مليئة بصفاته من عدل ورحمة وحب (مع نسبيتها وإلا صار الإنسان إلهًا)، وبالتالي فإن كل إنسان قادر على العودة إلى الطريق الإلهي مهما انحرف عنه بفضل هذه النفخة أو الفطرة المغروسة في أساسه.

 

وما دامت هناك مؤثرات داخلية وخارجية تؤثر على الإنسان، فبالتالي كان لا بد لكل إنسان من حساب خاص من ربه يقيس فيه الله مدى تأثير هذه المؤثرات على فطرة الإنسان، وأي المؤثرات كان جبريًا ليس للإنسان قدرة على صده وأيها كان اختيارًا وخضع له الإنسان بإرادته الحرة.

والإنسان يتمتع بالإرادة الحرة والقدرة على الاختيار بين البدائل المطروحة، لكنه لا يستطيع إنفاذ إرادته إلا إذا توافقت إرادته مع إرادة الله المطلقة، إذ أن إرادته نسبية غير قادرة على التحقق إلا إذا سمحت لها الإرادة المطلقة بذلك، وليس معنى هذا أن الله يسمح بوقوع الشر ولكنه يترك للإنسان حرية اختياره وفق قدراته القاصرة التي يمكن أن تعجز عن تحقيق ما أرادت، وهذه الإرادة هي تفسيري للأمانة التي حملها الإنسان، والتي لم يحملها الإنسان مختارًا وإنما حملها قسرًا.

 

لكنه ارتضى بحملها بعد ذلك بدليل أن كل فرد فينا يُعمل إرادته ولم يرفض إعمالها، ومن ناحية أخرى فإن المقيد على شريط القطار لا يضيع الوقت في إثبات أن تقييده جاء رغمًا عنه وإنما هو يصرخ طلبًا للنجدة، ولن يفيده أن يتمرد على رابطه بأن يرفض الاستنجاد والصراخ، ولكن أحيانًا ما تدفعه رغبته في الكمال والمعرفة إلى التمرد رغم أنه ذو أدوات قاصرة لا يمكن أن تحقق له الكمال المطلق أو المعرفة بكل شيء.

 

إن الإنسان إذا ما اعترف بمحدوديته يستطيع أن يحل الكثير من المعضلات التي يقف أمامها حائرًا حاكمًا أحكامًا قاصرة استنتاجية لا تعتمد على برهان أو دليل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد