ما الفائدة المرجوة من تواصلنا لو لم يسع في أفكارنا براح، فأما الزَّبد فيذهب جُفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، قال ينفع الناس، النتاج الحضاري المستهدف من أي صراع فكري، الناس كافة وليس نوعًا واحدًا من الناس، صناعة الحضارة لا يمكن أن تقوم على وجه أحادي للإنسان، ديني، لا ديني، ملحد، علماني، يساري، عفريت أزرق، هو وسيظل هو، لا يُقتل لاختلافه، لا يُصب عليه لعنة احتقارك لأن أفكارهُ أدنى منك، نظرتك له كإنسان درجة ثالثة، وضاعة، في خسة زوجة ترفع ساقيها لأحدهما، بينما زوجها بالمطبخ يُعد لها الفطور.

«ثم وُضع له الدين، الدين حكم الإنسان، الإنسان حُكم تحت راية الدين، لم يعجب الإنسان حكم الدين بالإنسان، لم يعجب الدين حكم الإنسان بالدين».
لا تحسب الإله يُعبد بالجهل أو التعصب أو الدم! الإنسان للإنسان، مهما كان اتجاهه، لونه، ثقافتة، فكره أو شكله، يظل أهم من كل الأيديولوجيات، ولو افترضنا جُزافًا أن الحقيقة مطلقة في هذا العالم، فلن تكون موروثة ولا أُحاديَّة ولا مُتحيّزة لجانب بعينهِ، عُرفت باختلاف أفكارك فتسُب إلهه ودينهُ وعقيدته التي تأويه، أيًا كان غرابتها عما توصلت إليه أو تمردت عليه، أتنتظر إذ فعلت مبادلتك فكرًا حياديًا! من الطبيعي أن يراك عدوًا لدودًا، لكن الأمر لن يقتصر على عداوة فقط، بل مساواة في جهل منحهُ تفوقًا في تعصب.
«حارب الإنسان الدين بالدين، حارب الدين الإنسان بالإنسان، الدين حُكم تحت راية الإنسان، ثم وضع له الدين، الإنسان حكم الدين، لم يعجب الدين حكم الإنسان بالدين».
 
محاولة تبخيس حقوق قومٍ في اعتناق أي فكرة مهما كانت درجة تفاوتها تسوق قدميك طوعًا وكرهًا تجسيد أدوار العارف ببواطن الأمور قدس الله سره المتبجح بصاحب الحق المطلق وعلى البقية الباقية مراجعة موقفها! الناس يختلفون وهذا دأبهم، لم يمنحونا منطقًا مُتفقًا عليه، سواء وجد أم لا، فبكل تأكيد لن تتضمن أدوات قياسه الازدراء والبخس من معتقدات الغير.
 
«لم يعجب الإنسان حكم الدين بالإنسان، حارب الإنسان الدين بالدين، حارب الدين الإنسان بالإنسان، الإنسان حُكم تحت راية الدين».
 
يا صاح، التلويح بالوعيد لأبناء وطنك، ليست من الوطنية في شيء، إنما إقصاء للآخر، وهذا الإقصاء يتم توظيفه تحت مسميات كثر، يُفتت فيها الإنسان المجتمع كخبز في حساء، ويختصر الإنسان الفرد في مآرِب الفرعون الإله، اسمح لي، تركة الحقد التي خلفتموها بيننا لن تجعل أي مصر، تحيا، مقلوبة هي ومن أنجبها، خاصةً أن آخر دعواكم أن الحمد لله أصبحنا شحاتين فأعطونا الفكة! يحضرني ها هنا كلمة لمُمثل أردني في مسرحية شهيرة وقف سكرتير الوزير يدعوهم لذلك، لكنه رفض دعوته صارخًا بطريقة غاضبة لا تخلو من مرح:

« الدين حكم الإنسان، ثم وضع له الدين».

فإن كنت محبًا لأن تكون مدجّنًا لفكرة ما، ترفع شعارات عنترية فارغة، أخذت حقها من التجارب والفشل، فأنت حــر فيما اعتقدت والأيام بيننا حاكمة، تُطرمخ بالكذب والتطبيل وتداري الوسخ تحت طرف السجادة، أنت حر، تستخدم الدين، النخبة، الدبابة، مبادئك وكل إناء بما فيه ينضح، لكنني أمتلك نفس القدر من الحرية التي تجعلني أرفض كل ذلك بل وأحاربه محاربة ضروسًا، ليس لشيء إلا أن الحق – على الأرجح – لا يأتِي باللوع ولا تتضمن أساليبه القتل والقمع والحبس والخطف والتخوين.

حاولوا أن تستفيدوا بنتاج اختلافكم في الله والطبيعة والفكر، لصالح الإنسان الفرد والإنسان المجتمع خاصة أن هذا الثلاثي غُلب أمره في استبيان أمر ملّ من استبيانه.

في البدء كان الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد