من ضمن الإشكالات الكبرى التي تواجه الإلحاد الإشكالية الأخلاقية، فبدون أديان تبدو الأخلاق فكرة غير متماسكة وغير عقلانية، أن لم يكن هناك بعث بعد الموت وثواب وعقاب أخروي فلماذا أكون خيرًا والأخلاق ليست مربحة، بل هي عادة تضر صاحبها ولا يوجد برهان عقلي يدعمها؟

عندما ارتفعت موجه الإلحاد حملت معها ما لم يكن في الحسبان من ذيوع للعدمية وانهيار أخلاقي، ومع صعود الدروينية انهارت قيمة الإنسان وتحول لكم بيولوجي وتحولت الرحمة ومساعدة الضعفاء إلى مثار سخرية باعتبارهم خطأ في نظر الدروينية وتعارضًا مع الانتخاب الطبيعي. فلم تكن مصادفة أن يسمي الرئيس الأمريكي آدمز إبادة البيض للهنود الحمر بقانون الطبيعة، وباسم العلم جرت الإبادات العرقية للأعراق الأدنى تطورًا ومن هم زائدون عن حاجة المجتمع ويعرقلون تطوره، أباد النازيون والشيوعيون والفاشيون ملايين لا تحصى من البشر لأنهم ينتمون إلى عرق أو طبقة أو دين أو أيدلوجية، وأجبروا على العمل حتى الموت في معسكرات الاعتقال، وشاع التعقيم الإجباري، واستعملت مجتمعات بكاملها كفئران تجارب للأدوية والأسلحة، وصعدت العنصرية والشوفونية لحدود لا عقلانية، حتى قتل نظام بول بوت في كمبوديا كل من كان يرتدي نظارة طبية!

وكان هذا الجنون باعثًا للدين الذي وجد فيه الناس ملاذًا من ضياع العدمية وتوحش المادية، وذاعت نظرية رأس المال الأخلاقي، والتي مؤداها أن أخلاق الملحدين سببها التراث الأخلاقي لمجتمعاتهم وثقافته الدينية السائدة بينما إن قام المجتمع الملحد تمامًا فيستحيل أن يعرف الأخلاق وسينهار المجتمع بالتبعية سريعا. ولكن اليوم تبرز الإنسانوية لتقدم نفسها بديلًا عن الدين.

تقدم الإنسانوية الحل للإشكالية الأخلاقية للإلحاد، بالإعلان عن إمكانية وجود الأخلاق والحياة الأخلاقية القائمة على التعاون والتراحم بين الناس دون الاعتراف بوجود خالق.

والإنسانوية ليست مفهومًا جديدًا، بل يزعم أتباعها أن لها أصولا تاريخية ترجع لأفكار الفيلسوف الإغريقي أبيقور الذي ألقى جانبًا الأسئلة الميتافيزيقية، وأعلن أنه لا يهتم بوجود الآلهة من عدمها أو معني وجوده هو شخصيًّا، وأن المعيار الوحيد لتميز الخير من الشر هو اللذة أو الألم الناتج عنهما، وأن سعينا يجب إن يكون لتحصيل السعادة بدون الانشغال بما هو فوق الطبيعة.

وكذلك النظرية الأخلاقية التي وضعها بنتام باسم النفعية، والتي تقضي بأن تحقيق أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس هو أساس الأخلاق والتشريع، حيث يتم الحكم على الشيء أخلاقيًّا بناءً على نفعيته حيث تخفيف المعاناة وتحقيق المكاسب للناس مطلب أخلاقي بدون الحاجة إلى تبرير ديني لذلك.

وشهد القرن التاسع عشر بداية ظهور الجمعيات الأخلاقية غير الدينية في أمريكا وأوروبا، والتي وفرت إطارًا للعمل الخيري والنقاش الاجتماعي والفكري خارج المؤسسات الدينية.

و في عام 1896، كونت الجمعيات الأخلاقية البريطانية اتحادًا يعرف الآن بالرابطة الإنسانوية البريطانية، وفي 1952 أسس الاتحاد الإنسانوي والأخلاقي الدولي وهو الجبهة الممثلة للحركة الإنسانية العالمية.

والكثير من مفكري القرن العشرين من الإنسانويين كبرتراند رسل وبيتر سنجر ويدعي الإنسانويين أن 36% من البريطانيين يتبنون قيم الإنسانوية

فما هي تلك القيم؟

يمكننا تلخيص الرؤية الإنسانوية في النقاط الآتية:

– يرفض الإنسانيون ربط الأخلاق بوجود الله، وفى المقابل يؤكدون على وجوب وأهمية وجود القيمة الأخلاقية في الحياة، ويؤسسونها على الطبيعة الفعلية للبشر الاجتماعيين بفطرتهم، وما يساعدهم على الازدهار من تعاون وتواد مما ينتج حزمة من المبادئ الأخلاقية الراسخة، التي يتفق عليها الجنس البشري بأكمله كالصدق والرحمة وإعانة المحتاجين والتسامح وعدم إيذاء الآخرين أو العدوان عليهم.

– يعارض الإنسانيون تدخل الدولة في عقائد مواطنيها سواء بفرض عقيدة دينية معينة أو بفرض الإلحاد، فبرغم أنهم يرون الأديان كافة زائفة وربما أيضا خطرة وشريرة، يرفضون قيام الأنظمة الإلحادية باجتثاث الدين وقمع المتدينين، وفى المقابل يرفضون قيام الدولة بدعم دين بذاته، فيعارضون القوانين البريطانية التي تقدم دعم للمدارس المسيحية و«كوته» الكنيسة البرلمانية حيث يخصص 26 مقعدًا في مجلس اللوردات للأساقفة.

– الأخلاق عند الإنسانيون مسئولية فردية، فالإنسان مستقل في إصدار الأحكام الأخلاقية وليس له إن يترك هذا الحق إلى هيئة دينية أو علمانية تصدر هذه الأحكام نيابة عنه، وأن كان يحتاج إلى تربية أخلاقية تزوده بالمهارات اللازمة لإصدار الأحكام الأخلاقية الصائبة.

– تؤيد الإنسانوية حرية الفكر والتعبير ووجود مجتمع منفتح، وتدعم أشكال التعليم الأخلاقي التي تؤكد على استقلال الإنسان الأخلاقي وأهمية التفكير النقدي المستقل بعيدًا عن المناهج العقائدية، معولين على دور العقل في إصدار الأحكام الأخلاقية. فمن ناحية نستطيع أن نحدد قيمة الشيء الأخلاقية من خلال نفعيته المثبتة علميًا،ومن ناحية أخري تحد العقلانية من غلواء الفردية في تقييم أخلاقية الأشياء، والتي تنتهي بالنسبية الأخلاقية حيث يقرر كل فرد ما هو أخلاقي أو غير أخلاقي بعشوائية تامة وبلا معايير.

– يرفض الإنسانيون الرؤية المادية البيولوجية للإنسان، ويؤكدون على قيمته السامية عن غيره من الكائنات، ويعلون من قيمة حقوق الإنسان ويدافعون عنها بشراسة، فعلي سبيل المثال يدافع الإنسانيون عن المثليين مستندين على حقوق الإنسان، بينما المثلية وكافة أنواع الشذوذ مدانة أخلاقيًّا ليس فقط من الأديان ولكن من الدروينية أيضا، فهي لا تعدو كونها خللًا هرمونيًّا أو مرضًا نفسيًّا، خرقا لناموس الطبيعة يفسد الغاية الأساسية من وجود الإنسان وهي التكاثر وانتقال جيناته لجيل جديد، ولكن الإنسانيون يرفضون وجهتي النظر في موقف لا يمكن وصفه إلا بالدوجماتي/ العقائدي فلا يوجد له مبرر عقلاني كاف.

ولهذه المبادئ يحظى تيار الإنسانوية بتأييد واسع من الحكومات الديمقراطية العلمانية، فهو متطابق تماما مع الحداثة الغربية, يقوم بوظيفة هامة في سد النقص في البنيان الأخلاقي المجتمعي، فيسهم بقوة في تماسكه ويصدر القيم والحداثة الغربية إلى الخارج معظمًا من سيادة ثقافة الغرب قوته الناعمة.

وخطت الإنسانوية خطوة واسعة لتقترب من كونها ديانة أكثر منها رؤية فلسفية للحياة بظهور الطقوس الإنسانوية. ففي عام 2007 فقط نظمت الرابطة البريطانية الإنسانية أكثر من 7 آلاف جنازة، و70% من الزيجات في بريطانيا، زيجات مدنية تشهد نسبة معتبرة منها طقوس إنسانوية تنصب على التعبير عن حب الشريكين والتزامهما برعاية بعضهما وليس إبرام عقد تحدده الدولة أو مؤسسة دينية.

أما الاحتفالات الإنسانوية لإطلاق الأسماء على الأطفال فتقوم على السماح للأبوين والأهل والأصدقاء بالتعبير عن حبهم  واستعدادهم لمساعدة الإنسان الجديد أيا كانت اختياراته في الحياة .

فهل تظن عنوان هذا المقال كان مبالغًا فيه؟

الإنسانوية تحتوى مقومات الديانة الأساسية العقيدة والمنظومة الأخلاقية والطقوس والهيئات المعترف بها، والتي تحدد موقفها من القضايا المختلفة.

وان كانت الإنسانوية تجد صدًي واسعًا في الغرب حيث تتوافق مع أفكاره السائدة ولا تتصادم لا مع الدولة ولا المجتمع ولا حتى المؤسسات الدينية رغم حصارها الدين في مساحة الاعتقاد (أو بالأحرى الخطأ) الشخصي الواقع في دائرة التسامح مادام شخصيًّا وبلا تأثير خارجي.

ألا أن أفكارها تجد صدي أيضا في الشرق العربي الإسلامي المتصدع فكرًا وثقافة, والمهيأ لقبول أي شيء.

وربما قريبًا نشهد المعركة بين الإنسانوية ومتديني الشرق الذين سيواجهون تحديًا كبيرًا وخصما على نعومته من أعتي الخصوم عليهم حسن الاستعداد لمنازلته.

وربما يكون في قولي هذا لهم نذير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد