“يد واحدة لا تصفق” ووكالة إنسانية واحدة لا تعمل، ولن تقدم شيئًا يذكر في ظل الاحتياج المتزايد، وتردي الأحوال الإنسانية في عالمنا الذي يضج بالصراعات السياسية والدينية والعرقية والطائفية والمذهبية، وما ينتج عن تلك الصراعات من قتل وانتهاكات وتهجير.

في العمل التجاري، أن تستولي شركة واحدة على السوق فذلك يعني أنها ستعظم من ربحها، وتزيد من كسبها، ولكن العمل الإنساني على النقيض تمامًا؛ فالمؤسسة الواحدة لا يمكن أن تستمر مقابل طوفان من المحتاجين، وسيول من الحاجات والمشاكل المركبة التي تحتاج لحلول تفككها وتبسطها.

كنت منذ فترة في أحد اللقاءات التنسيقية للهيئات غير الحكومية العاملة في الواقع الإنساني السوري – وكنت قد حضرت لأراقب بصمت – وخلال اللقاء تقدم أحد الحاضرين ليعرض جهدًا – رأيته جيدًا – في إغاثة مستفيدين في إحدى المناطق المنكوبة داخل سوريا، وما أن انتهى، وبدلًا من كلمات التحفيز والثناء؛ انهالت عليه الملاحظات التي حاولت أن تقلل من صورته أمام “الجهة الممولة”، ولم يسلم اللقاء كذلك من محاولة البعض النيل من بعضهم البعض بطريقة فجة أحيانًا وناعمة أحايين أخرى، أدركت حينها أنه لا يزال أمامنا مشوار طويل!

في رمضان الفائت استطعنا بمشاركة سلطات محلية وفرق تطوعية أن نحقق إنجازات لم نكن لنحققها وحدنا، وفي كل مرة نبدأ فيها مشروعًا مشتركًا مع جهة أخرى نلمس الإنجاز والنجاح أكثر، ونرى أن أخطاءً كثيرة تجاوزناها كنا سنقع فيها لو نفذنا تلك المشاريع بمفردنا.

التكامل والتعاون لم يعد “رفاهية”، خصوصًا عندما يتعلق بخدمة الإنسان وفي بعض الأحيان بصحته وحياته، فهو يختصر مسافات شاسعة ويردم فجوات واسعة، ويقلل الهدر، ويوفر الموارد، ويضاعف الخبرات، ويزيد من جودة العمل.

شهدت ولادة أكثر من جسم تنسيقي لجهات عاملة من أجل الواقع الإنساني السوري، ومعظمها لا يكاد يولد حتى يموت، لأن ثقافة العمل المشترك غائبة، وقيمة التنسيق لدى كثيرين لا تتعدى نظرة “كم سأكسب؟”.

في العمل الإنساني التنافس هو تكامل في أداء المهمة والواجب، وما تحققه أي مؤسسة أو جمعية أو مجموعة تطوعية من إنجاز هو إنجاز لجميع العاملين في المجال الإنساني، لأنه يخدم الهدف العام من إغاثة للملهوف، أو تحسين سبل العيش الكريم للإنسان.

التنافس الحقيقي هو الذي ينظر للمكسب الجمعي الذي سيضيفه على التجربة الإنسانية والعمل الإنساني، فالعمل الإنساني الأصل فيه أنه ينطلق من مبدأ “الكل يربح” فليس هناك خاسر ورابح، والرابح النهائي هو المستفيد والإنسان.

التنسيق والتكامل في العمل الإنساني ليس وسيلة لتصل المؤسسة لمرحلة لاحقة ومن ثم تتخلى عنه، ولكنه ثقافة عمل وقيمة سامية لا بد أن تغرس في كل جانب من جوانب المؤسسة لتنجح، وتصل إلى أهدافها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد