لعلي كنت دائمًا أنبهر بخلق هابيل عليه السلام وموقفه عندما حاول أخوه قابيل قتله، فهابيل لم يستخدم حقه الشرعي في الدفاع عن النفس رغم أن الكثير من الروايات ترجح أن هابيل كان الأقوى والأمهر في الصيد، ولكنه قال لأخيه بهدوء:

(لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ) صدق الله العظيم

ولعل هابيل عليه السلام كان ينتظر من ثباته أن يحرك مشاعر الإخوة في قلب قابيل فيكف عما ينتوي فعله من إثم لم يسبقه إليه أحد من قبل، ولكن قابيل:

(طَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) صدق الله العظيم

قابيل في لحظة تجرد من إنسانيته، تفرد بأول خطيئة إنسانية على الأرض، قتل نفس بشرية حرمها الله، قابيل فعلها رغم ثبات هابيل أمامه وعدم اعتدائه عليه. الطمع في الدنيا، والحسد والغيرة، وكذلك عدم القبول بما قدر الله ولدت في قلب قابيل كراهية جعلته ينظر للمسألة من منظور ضيق، منظور وجودي وصراع صفري لا تحتمل نتيجته إلا أن يفنى هو أو هابيل، فنفذ قابيل ما انتواه.

دومًا كنت أقدر إنسانية هابيل، وكنت أستشعر قسوة قابيل فيما ارتكب، وأعتبر ما فعله هي لحظة تجرد من فطرة الإنسان، وطالما تمنيت – وما زلت- أن نتحلى بخلق هابيل عليه السلام .لكن النظر لواقعنا الحالي جعلني أخفض تمنياتي لما هو أبسط من ذلك، نحن في أمس الحاجة لأن نصل لمستوى إنسانية قابيل، تكملة القصة تبين صفة إنسانية أصبحت مفقودة في صراعتنا البشرية تلك الأيام:

(فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) صدق الله العظيم

دعك من الجزء الأول الذي من الممكن أن تستشعر قيمته بزيارة بسيطة لأي مستشفى أو مشرحة حكومية لترى كيف يهين الإنسان أخاه الإنسان دون أن يبالي، ودون أن يكترث – كما فعل الغراب- بأن يواري سوءة أخيه، ولكني أقف أمام قول قابيل “يا ويلتي” وأمام إقرار الله سبحانه وتعالى لحالة قابيل بعد فعلته بأنه من النادمين.

يقال إن قابيل عندما قتل هابيل حزن حزنًا شديدًا، وضم أخاه لحضنه حتى تغيرت رائحته، تجربة جديدة على بني آدم فلم يكن يعرف وقتها ماذا يحدث للإنسان عندما يموت، ودنت منهما الطير والسباع لكي تفترس جثمان هابيل، فظل يحرس قابيل جثة أخيه حتى غلبته الحيل، فشعر بمرارة شديدة وعجز مرير، حتى أرسل له الله عز وجل الغراب الذي علمه كيف يواري سوءة أخيه.

بالنظر إلى أحوالنا المعاصرة، وكيف ننظر للآخر المختلف عنا، وكيف نؤجج الخلاف ليصل إلى مرحلة صفرية لا ينتج عنها إلا أن يقتل أحدنا الآخر، تلك النظرة المريضة للآخر التي تتحول مع مرور الوقت لانتكاسة لفطرة الإنسان، فنتلذذ بمصاب الآخر ونتفنن في إيقاع الأذى به.

تلك النظرة التي تفقدنا رشد تحقيق المقاصد الشرعية عند الاختلاف، وتجعلنا ننتقل من فضاء الخيرية إلى جحيم الغاب، حيث لا معنى إلا للقوة ولا انتصار إلا للبطش، ولا فن إلا فن سحق الآخرين.

الأصل أن الإنسان لا يقتل إنسانًا آخر، فالروح البشرية ملك لله، وإننا إن وضعنا في صراع صفري فقتلنا آخرين، فإن لذلك مقاصد شرعية، وهو أمر حزين ومكروه أن نضطر إلى ذلك، ولا يدعو للفخر ولا العجب، بقول عز وجل في قرآنه الكريم وهو يفرض الجهاد على المسلمين قبيل غزوة بدر:

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُو كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُو خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُو شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) صدق الله العظيم

فالنفس المؤمنة التي عادت إلي طبيعتها الأولية بعدما أعدها الرسول صلى الله عليه وسلم بالتربية الإيمانية خلال دعوته السرية والجهرية في مكة، ومن ثم تحملها الأذى والاضطهاد من قبل مشركي قريش، وأخيرًا الهجرة إلى المدينة لتأسيس المجتمع المسلم، كان قتال الآخرين وإن كانوا كفارًا أمرًا ثقيلاً على النفس وليس رغبة شهوانية اندفاعية للقضاء على الآخر.

فالآخر هو جمهور دعوة الصالحين، وهو هدف المصلحين، وزاد الدعاة الراشدين، والآخر ليس إلا أنت قبل أن يهديك الله إلى الحق.

فتخيل لو كنت مكانه ألم تكن تتمنى أن يحبك أهل الحق ويكرهوا أذيتك حتى وإن بالغت في خصومتهم؟

إن تحلي أهل الحق بالمحبة والعفو ليس ضعفًا ولا امتهانًا، وإنما هو تمهيد الطريق لهداية الآخرين، وهو زهد في الدنيا كما زهد هابيل عن الدفاع الشرعي عن نفسه أمام قابيل.

ولعلي أظن أن هابيل كان يقامر بموقفه هذا على أمل أن يعود أخوه إلى رشده، تلك المقامرة الرابحة في كل الأحوال، إما هداية أخيه أو الشهادة.

أيًّا كان موقعك، أحب الآخر، اكره الظلم الذي تلقاه منه، ولكن لا تكره شخصه، مهد له طريق العودة إلى ما تراه حقًّا، ومهد لنفسك أن تندم إن أخطأت كندم قابيل، فالندم أول طريق الرجوع، وأهم شروط التوبة، وعلامة على عدم انتكاسة فطرتك. فاللهم اجعلنا من التوابين الأوابين، المستغفرين ليلاً ونهارًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد