التعاطف الإنساني يربطنا ببعضنا البعض، ليس بالشفقة أو بالتسامح، ولكن كبشر تعلموا كيفية تحويل المعاناة المشتركة إلى أمل للمستقبل.

إن الحيوانات تولَد حيوانات، أما الإنسان فلا تلده إنسانًا، بل تربيه ليصبح إنسانًا، والطريق لذلك هو أن يمسح على جباه من صفعتهم الحياة، فيما يلي نماذج لمن أثَروا الحياة من حولهم بكل الحب للآخرين، ثم لم ينالوا منها إلا أقل القليل، إلى أن طوَتها صفحة القدر، كومضة في ضيْم الحياة وشوكها، أناروا دروب الفقر، ورسموا البسمة على الشفاه.

صلاح عطية.. من مصر

في قرية صغيرة (تفهنا الأشراف) التابعة لمحافظة الدقهلية في مصر، جاء إلى الحياة صلاح عطية، كان أبعد ما يكون عن الثراء، أقرب إلى الفقر المدقع، لم يتعصب يومًا إلى طائفة أو مذهب، ولم يركض خلف الشهرة أو الأضواء، كانت بساطته وكلماته المستحثة لعمل الخير تحرك في النفس العطف وتستنهض العمل الحثيث.

أما عن اختياره لكلية الزراعة، فربما كان إسقاطًا لما في نفسه من حبه للأرض التي ترعرع فيها.

بدأت القصة حينما عزم صلاح، بالاشتراك مع تسعة شباب جمعتهم ظروف الحياة المشتركة، على إنشاء مزرعة دواجن تكلفت ألفي جنيه، ولحاجتهم إلى شريك عاشر خلال كتابة عقد الشركة، أعلن صلاح أن الشريك العاشر سيكون الله!

بدؤوا المشروع، وحققوا أرباحًا لم تكن في الحسبان، فقرروا زيادة نصيب القرض مع الله إلى 20%، وتوالت الزيادة عامًا بعد عام، حتى وصلت نسبتها إلى 100%.

المشاريع الخيرية كانت ما تؤول إليها تلك الأرباح، ففي قريته أُقيمت حضانة لتحفيظ الأطفال القرآن الكريم بالمجان، مع نقلهم من القرى المجاورة، والتكفل بزي الحضانة، وقد كلف لحياكته الفتيات والسيدات اللاتي ساعدهن في التدريب على الخياطة وإعطائهن المعدات اللازمة، كما عمل على حصر الأرامل والمطلقات لتدبير وسيلة كسب لكل منهن، من خلال التبرع لكل منهن بشاة وكمية من الأعلاف.

أسس ستة معاهد دينية أزهرية للمراحل المختلفة، وشيّد محطة سكة حديد، أعقبها بإنشاء كلية جامعية للشريعة والقانون، تلاها كلية التجارة للبنات، ثم كلية لأصول الدين، ثم كلية للتربية، وأخيرًا العديد من المصانع.

عبد الرحمن السميط.. من الكويت

كان عبد الرحمن السميط طفلًا متدينًا، شغوفًا بالقراءة، داخله يمتلئ بحب الخير، درس في مدارس الكويت، ثم ابتُعِث إلى العراق دارسًا الطب وعلم الجراحة.

بعد تخرجه عمل ممارسًا في مستشفى مونتريال العام بكندا، ليعمل بعدها طبيبًا متخصصًا في أمراض الجهاز الهضمي بمستشفى الصباح في الكويت.

في عمر الـ35، قام بزيارة إلى أفريقيا، لمست روحه المعاناة وأثارت مشاهد الجوع والمرض ألمًا غرس في نفسه بعمق حد أن قرر يومًا أن يضحي بمهنته، ويعهد بذاته ما بقيت للمساهمة في مساعدة ملايين الأطفال في الحصول على حقوقهم في الحياة، من تعليم ومأوى.

أفنى تسعة وعشرين عامًا من حياته في القيام بالأعمال الخيرية في أفريقيا، مع الدعوة إلى الإسلام، إذ أسلم على يديه أكثر من 11 مليون شخص في أفريقيا وحدها.

كان العضو المؤسس للجان خيرية عديدة أبرزها «جمعية الأطباء المسلمين».

في معترك حياته دعم أكثر من 10 آلاف طفل يتيم، وقام بتمويل الطلبة، بنى أكثر من 6 آلاف مسجد، وأنشأ المدارس والجامعات، بالإضافة إلى المراكز الإسلامية وحفر الآبار، وأخيرًا طباعة 51 مليون نسخة من المصاحف والقيام بتوزيعها.

لم تكن حياته جنة في أفريقيا، إذ تعرّض لمحاولات قتل مرات عديدة من قبل المليشيات المسلحة، بسبب حضوره الطاغي في أوساط الفقراء والمحتاجين، كما حاصرته أفعى الكوبرا، ولعل أقسى المحن التي اعترضته في السجون، وكان أقساها أسره على أيدي البعثيين.

عنه قال أحد أصدقائه: «كانت سلسلة رحلاته في أدغال أفريقيا، وأهوال التنقل في غاباتها، محفوفة بالمخاطر؛ وذلك بتعريض نفسه للخطر لأجل أن يحمل السلام والغوث لأفريقيا، بيد تحمل رغيفًا وأخرى فيها مصباح نور وكتاب، وسلاحه المادي جسده المثخن بالضغط والسكر والجلطات».

عبد السلام إيدهي.. من باكستان

كما كان الفشل الكلوي قاتلًا لعبد الرحمن السميط، فقد كان أيضًا سببًا في وفاة عبد السلام إيدهي العام المنصرم، فكانت آخر كلماته المنهَكة لوكالة الأنباء الفرنسية: «لقد عملت كثيرًا، أنا راضٍ عن حياتي».

في منطقة صغيرة بقرية «بانتفا» الهندية عام 1928 ولد عبد السلام إيدهي، في عمر الحادية عشرة أصيبت أمه بالشلل، ثم لاحقًا أصابها مرض عقلي، فتكفل عبد السلام – وهو لم يزل بعد طفلًا – بالعناية الكاملة لوالدته من كل الأوجه، وحتى تغذيتها بيده، اعتمادها الكلي عليه في كل شؤونها الخاصة اضطره للتخلي عن الدراسة، وتكريس كل وقته لأمه، حتى لقيت ربها وعمره آنذاك 19 عامًا.

تركت تلك التجربة أثرًا في نفس إيدهي لا يمحى، ظلّ سؤال يطرق الباب في عقله: ماذا عن آلاف الحالات المشابهة لحالة أمه، خاصة ممن لا يجدون من يعتني بهم؟

آمن بأن أولى خطواته نحو الطريق هو بأن يخفف معاناة المرضى وعائلاتهم، ووضع حد للمعاملة الجافة والسيئة التي يتلقاها من يعانون من أمراض عقلية، تحديدًا داخل المراكز المفترض أنها مخصصة لتلك الحالات، أن ينشئ مستقبلًا سلسلة من المستشفيات والمراكز الصحية.

في كتاب «مِرآة للأعمى» سرد إيدهي قصة حياته مفصلة، وتحدث عن حلمه الذي بدأ صغيرًا للغاية، فبعد انفصال الهند عن باكستان، انتقل إيدهي برفقة أسرته إلى باكستان، وشرع يعمل بائعًا متجولًا في مدينة كراتشي.

سعى لشراء سيارة إسعاف، وداوم على الوقوف في مناطق كراتشي الشعبية وجمع التبرعات، ظل يسعى بإخلاص حتى اشترى أسطولًا تطوعيًا مجهزًا بالكامل، دخل به كتاب غينيس للأرقام القياسية عام 2000.

أسس مؤسسة خيرية تعد من أكبر المؤسسات الطبية في العالم، ومستشفيات للتوليد ومشارح، كما شيّد عشرات من مراكز رعاية الأمومة، ودورًا للأيتام وكبار السن.

«أنت غيّرتَ حياتنا، وأنا أشكرك على ذلك يا سيدي، ارقد في سلام». أحد الأطفال معلقًا على موت إيدهي المفاجئ عام 2016.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد