بادئ ذي بدء للعلوم بصفة عامة أثر في حياة الناس، إلا أن هذا الأثر يختلف من علوم إلى أخرى حسب التخصص، فالعلوم المادية (التجربية التقنية…) ذات أثر مادي صرف، أي أنها تختص بعناية الوسائل وتقديم منتجات متنوعة تخدم الكون المادي برمته، تخدم الإنسان كمادة والحيوان كمادة والأرض كمادة، بينما العلوم الإنسانية وفروعها (الفلسفة علم النفس علم اجتماع…) ذات أثر معنوي روحي، أي أنها تختص بداخل الإنسان أي تزكية وتطوير نفسية الإنسان، ومعرفة أغوارها وأسرارها وما يُجلها وما يحطها، بالإضافة إلى أنها تستهدف المجتعات من خلال التعريف بها والحكم عليها وتصنيفها وتحريكها وما ينتج عنها من ظواهر ومستجدات.

من عادة المستبد البطش والتنكيل والتضييق على المستبدِ به، ومن عاداته النتنة الجائرة كذلك البحث عن كل ما ينكد ويشعر الآخر  -هو فعلا آخر بالنسبة له رغم أنهما من نفس الرقعة ومن نفس المجتمع ومن نفس النوع وحتى من نفس الطينة- بالكآبة والإحباط والسآمة، ومن عاداته الوافرة كذلك أن يعمل بكل ما أوتي من قوة من أجل قطع كل أشكال الحياة عن ضحيته من كبت طاقاته ومدده الروحي ومدده المادي. والعمل على جعل الضحيّة من طبقة أخرى ومن مستوى آخر، بمعنى سن له قوانين خاصة غير التي يُسيّر بها نفسه وآله وحاشيته. المستَبد لا همّ له سوى أن يكون له أتباع يأكل ويشرب ويتمتع من عرق جبينهم، ومن قوتهم من دون أن يشيروا بالتمنع عن خدمته فضلًا على أن تقوم لهم قائمة.

يسعى المستبد دائمًا لطمس وعي وإدراك الضحية وقطع عنه كل مدد يُحرك ويشعر، وبالتالي هو دائم البحث بعماله المختصين، وبشركاته العملاقة وخبرائه الموفقين عن ما ينفع الناس ليقوموا بمعيته ببتره ومحوه حتى لا يصل، ليُحيي هذه الجموع التي يخاف وتأتيه الكوابيس بلا مفارقة من يقظتها أو عودتها إلى الحياة من جديد.

إذًا المستبد لن ينفعه إلا الموت الحي لهذه الجموع.

ومنه أنا موقن بأنه لو علم بمدى فعالية هذه العلوم -لعلوم الإنسانية- ومدى ما تفعل بعقل الإنسان لحاربها بكل ضراوة وبكل شراسة هو وقبيلهِ. لو رأى كيف تحيي العقول بعد موتها لما سمح لها بولوج مناهجهه الدراسية. لو رأى كيف تجد هذه العلوم الإنسان لا يعرف أبسط حقوقه وتحوله مائة وثمانون درجة إلى إنسان يموت دون أن تؤخذ أبسط حقوقه، لكشر عن أنيابه الطويلة وحاول أن ينهشها كما تنهش الضباع القطيعَ.

لو رأى كيف تجد الإنسان لا يعرف أن يصيغ أبسط الأسئلة وتحوله إلى إنسان يطرح أعمق وأجرأ الأسئلة. لو رأى ماذا تفعل الفلسفة في أولى خطواتها في مرحلة الثانوية العامة لما سمح لها بأن تدخل ثكناته شبه العلمية فضلا على أن تدرس، ولجند لها كل جنوده المدربة ذوي التخصصات الملونة من أجل محوها مما يدرس ويعلم للأجيال.

لو رأى ماذا تفعل بالعقل البشري وكيف تجعله يفكر ويسأل ويشكك ويعترض ويقارن بينه وبين قرينه في المجرة المجاورة، وهذا طبعًا ما لا يرضاه ولا يحبه المستبد، لأن المستبد لن يرضى إلا بالدروشة وتعطيل سبل التفكير، والخضوع والخنوع الكامل ويكتمل جنونه لو وصل الضحية لمرحلة المقارنة أو التشكيك لأنها من أصعب المراحل عليه أثرًا.

المستبد لو سنحت له الفرصة في نزع خاصية التفكير في من يستبد بهم لفعل من دون أن تأخذه رجفة.

من هي الفئة التي يقع عليها فعل الاستبداد؟ وهل هي فئة واحدة فقط الفئة التي تُظهر عدم الطاعة العمياء للمستبد وأحيانا تدخل معه في مواجهة؟ أم أن الفئة الضحية أوسع من ذلك سيان فيها الرافض المقاوم أم الراضي الخانع؟ هذا ما سنبينه من خلال الأسطر القادمة.

 أولا: للمستبد خصوم وشيعة أما الخصوم فهم المقاومون الرافضون لطغيان وجبروت المستبد. العارية صدورهم لمواجهته المحرومون من حقوقهم الطبيعية الساعون لاسترجاعها. أصحاب الوعي الفاعلون الطامحون لإعادة وعي الجموع المنومة أو المتخاذلة.

ثانيا: شيعة المستبد فهم الأتباع الراضون بحكم المستبد مهما كان شكله ووقعه حتى لو وصل ذلك لأرواحهم فهم راضون.
الراضون بالقليل واعتباره كثير .المحرومون من حقوقهم، فهم كالخصوم للمستبد تجمعم نقطة واحدة وهي سلب حقوقهم إلا أنهم راضون بذلك. مستسلمون لأوامره ونواهيه ملقنون لمن لهم سلطة عليه نواميسه ولوائحه.

 المستبد يبغض يقظة القلوب وحركة الضمائر وفاعلية الأفراد وسلامة المجتمعات، لأن هذه المؤشرات دلالة على الحضارة، وبالتالي إذا رفعت راية الحضارة سقطت رايته، لأنه لا يتعيش ولا يقتات ولا يوجد إلا في بيئات التخلف، وبالتالي سيعمل بكل جهد للمحافظة على بيئته الراكدة الراكنة ذات العبق الكريه القاهر. وللمحافظة عليها عليه وأد سبل الحياة، إلا أن العلوم الإنسانية هي التي تعكر صفوه ومزاجه ببعث الحياة من جديد، بحيث تعمل بشكل عجيب على عمل هذه المنبهات وبسط جسورها، فعلم النفس بدوره يحيي القلوب والنفوس والفلسفة بدورها تحيي العقول أيما حياة، وعلم الاجتماع الذي بدوره يجعل للفرد مكانة ودورًا وللمجتمع حركة ومكانة بين المجتمعات وللتنظيم دورة متواصلة بلا انقطاعٍ.

وهذا ما لا يوافق هوى ومزاج المستبد، بيد أنّ العلوم الإنسانية ستبقى شوكة في حلق المستبد، وستبقى كوابيس تطارده مدى حياته القاصرة الضنكة إلى أن تصبح حقائق ماثلة بها تُكسر شوكته، ويعود الحق لأهله، فحفظ الله من ابتكر هكذا علوم، فالعلوم إن لم تصنع كرامة وتزِح مهانة فليست بعلوم، قد يكون لها اسم آخر غير العلوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد