لا يخفى على أحد قدرُ التخلف الذي يتّسم به واقع العلوم الإنسانية والاجتماعية في العالم العربي والإسلامي، والمظاهر الدالّة على ذلك كثيرة ومتعددة ؛ وليس أدلّ على ذلك ضعف وضحالة الإضافات الفكرية التي تقدمها الجامعات العربية إلى العلوم الإنسانية برغم ما تمتلكه أمتُنا من تراث حضاري لا ينكره أحد. والواقع أن العلوم الإنسانية والاجتماعية هي أكثر من ضرورية بالنسبة للحوكمة السليمة لأي منظومة إنسانية لأنها تساعد في تكوين البنية المؤسسية السليمة لأي كيان حضاري، فهي التي تدرس البشر وسلوكهم وخبراتهم وثقافاتهم وعلاقتهم بالكائنات والمنظومات الأخرى؛ وهذا تحديدًا هو ما يميز الأمم المتحضِّرة عن الأمم المتخلِّفة! ولن أتحدث عن أهمية هذه العلوم للتنمية والنهوض والحفاظ على الهوية والثقافة والتحفيز ووحدة الشعوب … ومواجهة التحديات الاجتماعية والإنسانية التي تفوق التحديات التقنية!

لست ممن يمجّد أو يقدِّس النظريات الفكرية والاجتماعية المستوردة، ولست بالضرورة من هواة العلوم الإنسانية؛ لست أيضًا من أتباع المنهج التَّقريبي «الفضفاض» في الحياة، بل على العكس، أنا مع توظيف الطّرق العلمية من بحث وتحقيق وقياس وتجربة ومقارنة وغيرها في جميع المجالات الحياتية ما أمكن. ولكني تعلمت أن اللغة والتاريخ والثقافة والحقوق والسياسة والوعظ والإرشاد والتفسير والحوكمة والإعلام وعلم النفس… هي مجالات لا تقلُّ أهمية عن الطبّ والهندسة وعلم الكيمياء والأحياء والفيزياء، ناهيك عن أن العديد من العلوم التي تُصنّف على أنها اجتماعية أو إنسانية أصبحت تقترب كثيرًا من العلوم التطبيقية، فالإدارة والمحاسبة والجودة أصبحت تمارس البعد التطبيقي تمامًا مثل الهندسة، وكان لها دور كبير في النهضة الصناعية والعلمية الحديثة. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى العلاقة التكاملية التي يفترض أن تُوجد بين كافة مجالات العلم والمعرفة المختلفة فيما يُعرف بمفهوم «تعدّد التخصصات» (Multidisciplinarity)…

أي العلوم أهمّ؟

ليس المقام هنا للجدل حول أهمية أو أسبقية العلوم، وليس من المجدي التساؤل من الذي سبق أفلاطون أم نيوتن وفاراداي؟ هل يعود الفضل في الثورة الصناعية وما بعدها إلى أفكار الفيزيائيين نيوتن وجول وباسكال وفاراداي، أم إلى أفكار علماء الاجتماع روسو وفولتير، أم علماء الإدارة والجودة وأفكار تايلور وفايول وإلتون مايو وإدوارد ديمنج وجوران، ولكن يمكننا التساؤل بكل موضوعية عمّا هو مشترك بين ملاحظات توماس أديسون، رجل الأعمال ومخترع المصباح، أو ملاحظات بوهر وآينشتاين حول ماهيّة الضوء وصولًا إلى النظرية النسبية، وبين ملاحظات فريدريك تايلور أبي علم الإدارة أو ملاحظات إلتون مايو حول سلوك العمال والتي غيّرت النظرة فيما بعد إلى الموارد البشرية، إن الذي يجمعهم جميعًا هو الجهد والصبر والتجربة والمراقبة والمنطق وربط الأفكار من أجل تحليل وتفسير الظواهر ومحاولة التحكم فيها من خلال أسلوب علمي منهجي، وكل ذلك للوصول إلى نتائج مفيدة للبشرية.

هل العلوم الإنسانية سهلة وتافهة لهذه الدرجة؟

الملاحظ أن الكثير يستهين بهذه العلوم ويعتبرها أقلّ من أن نهتمَ بها. ولكن يُمكن أن نتساءل، إذا كانت هذه العلوم غير مهمّة لهذه الدرجة، فلماذا إذًا نجد في الدول المتقدمة شركات ضخمة مثل ديليويت (Deloitte) التي تعمل في مجال التدقيق والاستشارات الإدارية وإدارة المخاطر والاستشارات القانونية والتي تزيد إيراداتها السنوية عن 36 مليار دولار، أو شركة ماكينزي العالمية للاستشارات الإدارية (McKinsey) والتي تزيد إيراداتها السنوية عن 8 مليارات دولار؛ وما دامت هذه المهن غير مهمّة و«حقيرة» لهذه الدرجة، لماذا تتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بأكبر شركات التصنيف الائتماني مثل موديز وفيتش وغيرهما؟ هل يوجد في العالم العربي شركات مسك حسابات وتدقيق مثل آرنست آند يونغ؟ السؤال أيضًا، ما دامت هذه العلوم سهلة المنال، لماذا لم تطوِّر الجامعات العربية أي نظرية في العلوم الاجتماعية أو الإنسانية، في الاقتصاد أو في الإدارة أو في الإعلام مثلا؟ لماذا تقوم جامعات مثل هارفارد ومعهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا (MIT) بتدريس الإدارة والاقتصاد إذًا؟

ولنأخذ مثالًا واحدًا: هل يمكن القول بأن تجارب مصانع هاوثورن التي اكتشفت أثر العوامل السلوكية والإنسانية على الإنتاج كانت أهم من العوامل التقنية كانت أسهل من اكتشاف عنصر الحديد؟ هل استخدم توماس أديسون مخترع المصباح الكهربي معادلات رياضية أكثر من الاقتصادي جوزيف شومبيتر صاحب نظرية التدمير الخلاق (Creative destruction)؟

يمكن للبعض القول بأن بلادنا من الفقر العلمي في كل المجالات بدون تمييز ، وبأن هذه النتيجة طبيعية! ولكن أليس هذا «عذرًا أقبح من ذنب»؟ ألا يدلّل ذلك على وجود أزمة مزدوجة في مجال العلوم الإنسانية والإنسانية؟

أصل المشكلة؟

يمكن تفسير المشكلة من ناحيتين. الأولى لها علاقة بالأمور النفسية والثقافية وهي مرتبطة بالغرور، والتقليد الاجتماعي، وفقدان الثقة بالثقافة والحضارة الأصلية. ويعود أصل المشكلة هنا إلى عدم الوعي بأهمية العلوم الاجتماعية من قبل الأشخاص والمسئولين حيث تكوّن لدى المجتمع ثقافة تتضمن قوالب ذهنية مصبوبة (Stereotype) حول دونيّة بعض التخصصات وعلوية الأخرى، هذا الأمر عزَّزه الميل إلى التخصص بحسب أهواء المجتمع وبحثًا عن المكانة المرموقة «البريستيج» وليس بحثًا عن العلم أو ضمن خطة وطنية مدروسة، وهذا أدّى إلى وجود صورة ذهنية سلبية تدفع بالأكثر «ذكاءً» إلى تجنب هذه العلوم.

الناحية الثانية من المشكلة فنية وموضوعية، وتكمن في صعوبة تقييم مخرجات التعلم في المجالات الإنسانية، وسهولة الزّعم بتحقّق هذه المخرجات، وبالتالي منح الشهادة للطلبة بسهولة نسبيّة مقارنة مع العلوم الأخرى. ففي الواقع، تسهل الرقابة على مُخرجات ومتطلبات الحصول على شهادة الهندسة والعلوم، بينما يصعب الحكم على مخرجات عملية تعليمية ذات علاقة بالعوم الإنسانية مثل علم النفس. لذل يميل أصحاب القدرات العلميّة و/أو المادية (وقت، تمويل، صحة، …) المحدودة للتخصص في مجالات أدبية وإنسانية.

الخلاصة

العلاقة بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية علاقة تكاملية وليست تنافسية. ولا يمكن إحداث نهضة شاملة بدون تطوّر شامل في كافة فروع العلم والمعرفة. فلا يمكن أن تحدث أي ثورة تكنولوجية بدون وجود بيئة تنظيمية وقانونية واجتماعية مواتية؛ أيضًا، لا يمكن تحسين البيئة التنظيمية والإدارية بدون تقدم علمي وتكنولوجي. وكما أن الهندسة هي تطبيق للعلوم في المجالات الفنية، فإن الإدارة هي كذلك تطبيق لعلوم مختلفة في حياة المنظمات والشعوب، لذلك، على المسئولين إيجاد حلول شاملة لضبط عملية التعليم والتعلّم في المجالات الإنسانية والاجتماعية ووضع الضمانات اللازمة لكي تكتسب هذه العلوم الزّخمَ الذي يتناسب مع أهميتها، لأن مجتمعاتنا تحتاج فعلًا إلى العديد من الكوادر المتخصصة في العديد من المجالات الإنسانية والاجتماعية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد