الإنسانية من الكلمات المألوفة جدًا، والتي تم تداولها في جميع مناحي العالم للتعبير عن كل شيءٍ له علاقة بالإنسان، كنبضة أحاسيس ومشاعر وروح ونفس، بغض النظر عن أية اعتباراتٍ أخرى مثل الجنس، والعرق، واللون، والدين، والعنصر، والدولة، فالإنسانية مفهومٌ عالمي وشامل، ويحتملُ الكثيرَ من التعريفات والمعاني التي تصب كلها في مصلحة الإنسان، وتعبّر عن قيمته ككيانٍ حي له حقوقه وكرامته التي يجب أن لا تُداس ولا تطرد، فالإنسانية أعمق من مجرد كلمة عابرة، بل هي كلمة تختزل العديد من المعاني والتجارب والخبرات، حيث أصبح لهذه الكلمة صدًى عالمي كبير يستلخص الكثير من الأشياء التي يُمكن أن تُقال بشأن الإنسان. وسنستعرض مفهوم الإنسانية في الأديان وفي الإسلامية خلال هذا المقال، فإن الإسلامية لا بد من حجز لها، لأنها الوحيد في مصف المعركة ضد الجور وضيق العدالة.

بل الإنسانية دين جديد، يستدعي الكائنات إلى المساواة وإلى النفوس الراقية، فالإنسانية قبل كل تديّن لا روح لها، فإن الأديان التي تشع ضوءًا كاشفًا على العتمات والتي توزع حلولًا ناجعة لتفكيك القضايا العصرية تؤكد مفهوم الإنسانية ومعنى الآدب والمساواة، لكن إذا أصبح الدين بلا روح وخلق حل محله الأوغاد بتأوليهم واهتماماتهم الجوفاء، لكن الدين بمعناه الشامل يسعى لسد الفجوات التي خلقها الإنسان بسوء معاملاته، وفي كل دين رسالة تبث وحي السلام وترسل حمامة الخير والغرام.

وهذا الموضوع لو طرح في طاولة النقاش يبدو معنى الإسلام في مقدمته، حيث تعرض لهجمات متواصلة من قبل أعدائه وأصبح مرمى نبالهم في القنوات والشاشات، فلا بد من وعي كامل عن مبادئه وأساسياته نحو الإنسان والكون، والإسلام له نظر نافذ إلى كل هذه القضايا، رغم ما يثبت الأعداء من قلة بصيرته وجوفية منهجه، لأنه رسالة نبعت من بين الصحارى وأنشأت حضارة أنيقة الجمال ومرصونة الخيال، وجعلت شعبا يصارع ويشاجر لأجل صبايا الأمور يتنافس للاستماتة والاستشهاد لأجل الحق والعدالة، وقد طمس الإسلام أصنام الجاهلية ونخوتها وأسس قاعدة تعلم العالم دروس المساواة والبشرية، فإنه لا غرو حيث كان صاحبه محمد صلى الله عليه وسلم يعلم صحابته حتى الخراءة، ويدربهم ويراوضهم درب المعاملة مع الحيوانات والجمادات، ويهددهم بجهنم ونارها المشتعلة لو خرقوا حدود الله وأوامره ويبشرهم بجنة وحورها الجميلة لو مشوا على خط من الله، وهذا التهديد والتبشير أسسا حضارة وثقافة يفتخر بهما العالم أجمع، فأصبحت العروبة من أمة ترعى الغنم إلى أمة تسوق الأمم، فأصبحت سرابات الصحراء إلى زهرات تهب رياحها أدراج العالم، هكذا تم بدو الإسلام متحديا جميع الطغاة لأجل الحرية والعدالة والحق.

وأما بالنسبة للنصرانية فكانت مكبلة في سيطرة البطارق والرهبان، وهي مبنية على أساس من الطمع والجشع، والتطاول على الأراضي، لكنها كانت ديانة في عمقها رسالة عيسى عليه السلام، عيسى المحبة والعشق، وقد حصدت النصرانية نجاحا باهظا في ترويج عيسى وأقصوصة محبته للخلق والعباد، فلم يزل روح الله عنوان شرفها ورمز دينها إلى مدى القرون، لكنها لم تتحرر من قيد الكنائس التي باعت الدين لثمن بخس، فتلطخ جلدها الصافي بدماء الأبرياء، وتنجس جسدها المقدس بدموع من اليتامى والأرامل، فظلت الحروب تحكم العالم والإنسانية تضطهد تحت قدمات الاستعمار والاحتلال، فاليهودية لم تتخلص من شؤمها التاريخي، الذي توارثته من الأجيال وأودعته إلى الأجيال الصاعدة، لأن صفحاتها منسوجة من الدماء التي أسيلت على الجماجم والأسلحة التي تشحذت في كل شبر، وهي لم تزل تستمد وتتنفس من خيشومها التاريخي النتن، حتى تولدت حركة الصهيونية وفعل مع العالم كل الأفاعيل، لكن لها روحًا ملساء ولمسة حانية، وهي التي تحارب العمليات الهدامة التي تقوم بها الحركة الصهيونية في العالم، وهي التي تدافع فعالياتها الشنيعة، فمهما تقلبت أمور الديانات وتسربت إليها أنواع السوء والشر هي دائما تحتفظ وتلتزم أصالتها العريقة، وتحمي ذمارها وشموخها عبر الأجيال.

الإنسانية قبل التدين

فإن فحوى الأديان والمعتقدات يقوم على صلاح الإنسانية وعلى إثراء مقوماته وإغناء تطلعاته، فلا دين يدعو إلى الإرهابية ولا معتقد يسري مع الحقد والأخلاق المهمشة، لكنه لو تفلت الأمر وتمايل من الجادة لالتحق بالحافة الخطيرة، وأتى بنتائج مريرة، فإن خلاصة الأديان تؤكد بأنها بعثت لإنقاذ البشرية وإرساء سفينتها إلى ساحل السلام، وهي تدعي بأن النجاة والنجاح محصوران في شراعها، هكذا نستلهم معنى الإنسانية والتعايش من طيات الأديان.

لا دين للإرهاب نعرفه به.. لو دأبه التكبير والتهليل

فالإرهابية، السم القاتل الذي قضى على صفوة الأديان وهي الخطر الأكبر الذي تواجهه الأديان، لأن الإرهابية وأربابها يبيعون شعار دينهم لثمن بخس ويساومون أرواحهم في سوق الفلوس، فالإرهابية طبعا تحسن وجهها وتجيد فكرتها ببعض من الآيات والدلائل، بل لو كان فيها رجال يحبون الدم ويعشقون الدمع فلا دين يخلص الدنيا من عرين الأشرار، وليس التدين قنبلة تنفجر في الأسواق أو هي رصاصة تطلق على الأطفال والنساء، وليس التدين مجرد عباءة تختفي من حقيقة الحياة، وليس هو كالآلة يلعب بها من يريد ويتعرض لها، لكن التدين هو الذي يأخذ الروح ويجعلها إنسانا كاملا يعرف معنى الحياة والتعايش.

لكن نواة الإرهابية تبدأ من خلالة الرهبان وعلماء السوء، الذين يعيثون في الأرض ويعبثون بالدين، وكما قال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم «يمرق من الدين كما يمرق السهم» لأن دينهم لا يصل حناجرهم ولا يبلغ حلقومهم، أو كما قال عنهم الحسن البصري رحمه الله «الدين علقة على لسانه»، فالإرهابية ترتصد في كل مكان وتنسل إلى كل الخلايا، لأنها كالريخ العقيم تدخل في كل باب ولا تلقح إلا شرا.

الإنسانية دين جديد

وهناك من قالوا واحتالوا من بين هذه الضجة بأن الإنسانية دين جديد، كأنه كلمة حق أريد بها الباطل، لأنها توحي معنى يضرب على الأديان وتستدعي الإلحاد واللادينية، وهي تضمر معاني فوق التقدير، فما نهايتها إلا إلى الإلحاد وإنكار المعتقدات، حيث تدعي بأن الأديان لا تجدي بشيء ولا تأتي بخير، بل بأنها السبب الأول لهذه الحروب الضارمة والقضايا الملتهبة والأزمات التي تصك وجه العالم في حين وآخر، لكن الحقيقة تضحك على مثل هذه الدعايات، فإن القرون التي امتلك عليها الأديان كانت على مهد من العلوم والفنون وعلى عهد من الرخاء والخصب، وهي قليلة جدا بالنسبة إلى العصر الذي هيجه الحركات الإلحادية والفكرة المتحررة، فمهما بلغ الرجل الديني في الخلاعات والفجور ينسحب من قراراته لو صادفه الدين وسده في وجهه، فالدين أبدا يحدق طرفه إلى الوجه الحق والنهج القويم، فإن دك أسوار الدين وهد حدوده فهو منطلق من ربقة القيود ومن حمى الآداب، فلا دين يردعه من قراراته ولا فكرة تأخذ بيده نحو الأخلاق والسلوكيات، لأنه ترك صلته بالدين وخاص لجة المتمردين، هكذا أصبح الصراع بين الدين والإلحاد تخبو وتهبو.

فإن كل مسار دخله الدين باستراتيجيته النادرة جعل الإلحاد في فريق المعارضين، حتى أصبح الملاحدة يهجمون على المقدسات الدينية ويعتبرونها أوكار الخرافات والأساطير، فسعوا في إفساد بواطن الدين وسلخوا جلدها من غير أي تبرير، لكن بجدة الخلافة بين الإلحاد الذي يدعي أنه هو عنوان الإنسانية وبين الدينيات التي تصرح علاقتها وكفالتها الإنسانية وتداعياتها لم تتضح حتى الآن، ومن منطلق هذا يعدون التنظيمات الدينية مهما كانت إسلامية، أو مسيحية أو يهودية أو هندوكية أو بوذية بوق الإرهاب ومنافخ التطرف، فمثار الخلاف يرتفع من الكراهية العاتية التي يتبناها الملاحدة مع الدين.

وقد أصبحت الآن شعارات الإنسانية تتفاعل عبر الشبكات التواصلية، والتي تؤكد بأن الإنسانية خارجة عن حدود الدين، وفي الحقيقة هي تدعم الفكرة المتحررة الخطرة، والتي لا تؤيد «أصلية الإنسان من التراب» بينما تدعي الأديان السماوية بأن الإنسان ابن التراب، وكلكم من آدم وآدم من تراب.

يا ابن آدم، خالفني واختلف عني، يهوديًا مسيحيًا أو مسلمًا شيعيًا كنت أم سنيًا، أو حتى وإن كنت دون معتقد، أبيض كنت أم أسود، فقط كن أنت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد