(1)

مأساتنا أننا أناس طيبون إلى أبعد الدرجات، لا نعرف الغدر ولا الخيانة والاستسلام، نمنح الحب دون مقابل، نحمل قلوبًا بيضاء ناصعة البيضاء، هذا الوطن الشامخ المعطاء يصحو يوميًا على فاجعة جديدة تؤرق مضاجع الإنسانية، ولكن أي إنسانية نتحدث عنها؟

في مشهد محزن غرق صباح 15 أغسطس (آب) 2018 بمحلية البحيرة بولاية نهر النيل في السودان، 22 تلميذًا وامرأة في حادث غرق مركب كان يقلهم من منطقة الكنيسة بالوحدة الإدارية بكبنة، حيث كانوا في طريقهم للوصول لمدارس كبنة الأساسية ويستخدم سكان القرى الواقعة على ضفتي النهر مراكب خشبية للتنقل بين ضفتيه، إذ وقع الحادث نتيجة توقف ماكينة المركب وسط النيل مع اشتداد التيار، وكان المركب ينطلق من الشمال إلى الجنوب، أي عكس سريان تيار النهر.

هذا المشهد الحزين أبكى الجميع دون مواراة أو استتار إلا حكامنا الموقرون الذين لا تبكيهم تلك الفاجعة، ولا يبكيهم فسادهم أو كذبهم أو خداعهم، هم كذلك، لا يعلمون شيئًا عن الوطن إلا اسمه، ولا عن المواطن إلا حزنه ومعاناته، في صفوف الخبز والبنزين والصرافات، لا يعرفون إلا الصفوف، يذهبون صباحا إلى الوزارات، يتأنقون بلبس البذل وربطات العنق باهظة الثمن، ويركبون العربات الفارهة، تتقدمهم في موكبهم شرطة المرور وهي تطلق الإنذار في الطريق، لا يعرفون شيئا عنا، أو عن حالتنا الماثلة التي تتداعي للألم والمشاكل والغرق.

لا يعرفون حزن تلك الأسر التي غرق أطفالها وهم يبحثون عن تعليم سليم معافى يضمن لهم مستقبل أبنائهم، لا عرف حتى الذين يصحون صباحًا باحثين عن لقمة عيش، وجرعة ماء وحبة دواء للعلاج، من أين أتى هؤلاء كما كتب مفكرنا الأديب الطيب صالح، أهم من أبناء السودان؟ ولدتهم حواء السودانية؟ أم أبناء عاقون لها؟ لا يعرفون عنا إلا حزننا وبؤسنا وشقاءنا نحو العيش والكرامة.

(2)

قبل أيام قلائل في تايلاند كانت هنالك حادثة لأطفال في كهف، وتعود تلك الرواية إلى اختفاء 12 صبيًا تتراوح أعمارهم بين 11 و16 عامًا مع مدربهم (25 عامًا) بعد حصة تدريبية يوم 23 يونيو في تايلاند، والذي ذهبوا فيه لاستكشاف مجمع كهوف تام لونج الواقع في إحدى الغابات القريبة من الحدود مع ميانمار كان سببًا لشغل الرأي العام العالمي، أن الفريق حوصر بعد هطول أمطار غزيرة على نبع مائي يقع عند مدخل الكهف الذي يعد مزارًا سياحيًا، وبعد 10 أيام من الغياب، تمكنت القوات من تحديد موقعهم.

وبلغ عدد المشاركين في العملية 100 شخص بما فيها فرق إنقاذ من الصين وميانمار ولاوس وأستراليا، تلك الحادثة أقامت الدنيا ولم تجلسها، بكل الطرق بحثت عنهم لإنقاذهم، لكن تختلف الإنسانية عندنا في هذا العالم البائس، إن لم تكن تحمل ذرة إنسانية في قلبك وتأمن شعبك لا يهمك من يغرق ومن يسلم، لا يهمك من يأكل أو ينام جائعًا، لا يهمك من ينام وهو مطمئن البال والخاطر، لا يهمك من يموتون في المستشفيات، لا يجدون العناية أو الدواء، ولا يهمك كذلك من يركبون مركبًا متهالكًا بحثًا عن تعليم.

سيدي الحاكم الموقر، أين إنسانيتك من كل هذا؟

وأين العالم من هذه الحادثة المفجعة التي تؤرقنا، ألا يحق لنا أن نحاكم النظام على جرائمه التي يرتكبها بحق الشعب، تارة بالتعليم وأخرى بالصحة وأخرى بمجاعة الناس وتشريدهم، وكثر تلك الجرائم التي لا تحصى ولا تعد.

(3)

وابعتلك شال الحُب مُرسال

 تايهين فى بحره مراكبية

بكتب على صدر المُوج

آمال

أطفال عُمَّال ومُزارعية

الله غالب والله من وراء القصد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد