يعد الرئيس والزعيم والمجاهد المجتهد والفيلسوف علي عزت بيجوفيتش -رحمه الله- الرئيس السابق لجمهورية البوسنة والهرسك، صاحب اجتهادات مهمة في تفسير ظاهرة الإنسان في كل تركيبيتها، انطلاقًا من إيمانه بالإنسان الذي ينبع من إيمانه بالله، ومن إدراكه لثنائية الطبيعة البشرية.

وقد أولى علي عزت بيجوفيتش ظاهرة الإنسان والإنسانية عناية كبيرة، ظهرت جلية في كتاباته ونتاجه الفكري، وخاصة في كتابه الأشهر «الإسلام بين الشرق والغرب» الذي حظي باهتمام بالغ من الأوساط الفكرية والأدبية والفلسفية في العالمين العربي والغربي، والذي رشح لجائزة الملك فيصل العالمية، وفاز بها وتم تسليم الجائزة للرئيس علي عزت بيجوفيتش في القاهرة 1995.

يرى علي عزت بيجوفيتش أن هناك فقط ثلاث وجهات من النظر متكاملة عن العالم هي: النظرة الدينية، والنظرة المادية، والنظرة الإسلامية، والتي تعكس ثلاث إمكانات هي: الضمير، والطبيعة، والإنسان، وهذه الإمكانات المبدئية الثلاث تتمثل على التوالي في المسيحية والمادية والإسلام. وهو يرى أن الضمير هو نتيجة وجود الروح ودليل عليها، وأن الطبيعة صورة المادة، وأن الإنسان هو الوجود المتزامن للروح والمادة معًا.

ويؤكد -رحمه الله- أن كل الفلسفات والأيدولوجيات، بل والتعاليم العقائدية منذ فجر التاريخ وحتى اليوم يمكن إرجاعها إلى واحدة من هذه النظرات الثلاث، وهي: «الضمير والطبيعة والإنسان». وفي بيان واقعية هذا الطرح يقول: إنه لو كانت المادة وحدها هي الموجودة، فإن الفلسفة التي تترتب على ذلك هي الفلسفة المادية، وعلى العكس من ذلك فإن وجود الروح يدل على وجود الإنسان، وأن حياة الإنسان تصبح بلا معنى بغير نوع من الدين والأخلاق، والإسلام هو الاسم الذي يطلق على الوحدة بين الروح والمادة، بل هو الصيغة السامية للإنسان نفسه، والذي يمثل منهجًا أكثر من كونه حلًّا جاهزًا، ويعني: المركب الذي يؤلف بين المبادئ المتعارضة من خلال البحث الدائم عبر التاريخ عن حالة التوازن الجواني والبراني.

يؤمن علي عزت بيجوفيتش أن قضية أصل الإنسان هي حجر الزاوية لكل أفكار العالم، وهي القضية التي تتناقض فيها الإجابات بين ما يقدمه العلم من جانب، وما يقدمه الدين من جانب آخر. ففي حين ينظر العلم إلى أصل الإنسان نتيجة لعملية طويلة من التطور من أدنى أشكال الحياة؛ فلا تميز واضح بين الإنسان والحيوان من حيث النوع، وإنما من حيث الدرجة، فما الإنسان سوى حيوان كامل أو مثالي، يتحدث الدين والفن عن خَلق الإنسان الذي هو فعل إلهي مفاجئ لمخلوق مزدوج الطبيعة، جاء أحد جانبيها من الأرض، وجاء الآخر من السماء.

وهو حيث ينتصر للنظرة الإسلامية للإنسان يؤكد علي عزت بيجوفيتش أن الكائن الإنساني ليس مجرد مجموع وظائفه البيولوجية المختلفة، وليس مجرد كمية المادة التي تكونه ونوعيتها. الإنسان أكثر من جميع ما تقوله عنه العلوم مجتمعة.

ثم يكرر تأكيده بقوله: إننا نقول إن الإنسان قد تطور، وهذا صحيح، ولكنه يصدق فقط بالنسبة لتاريخه البشري الخارجي. الإنسان كذلك مخلوق، وقد انصب في وعيه، ليس فقط، أنه مختلف عن الحيوان، ولكن أيضًا أن معنى حياته لا يتحقق إلا بإنكار الحيوان الذي بداخله.

وفي رده لفرية أن الإنسان حيوان كامل يقول: لو أن الإنسان ببساطة أكثر الحيوانات كمالًا لكانت حياته بسيطة خالية من الأسرار، ولكنه ليس كذلك، فهو يخوض غمار المجاهدة الأخلاقية، وما في الحياة من مآس، ومعضلات، وإحباطات، ويصادف النقمة والقسوة وخبث الطوية. ولا يعرف الحيوان شيئًا من هذا كله.

ومن القناعات التي استولت على فكر الرجل بشأن الظاهرة الإنسانية، أن قضية الخلق هي في الحقيقة قضية الحرية الإنسانية. ويقول: إننا إذا قبلنا فكرة أن الإنسان لا حرية له، وأن أفعاله محددة سابقًا، ففي هذه الحالة لا تكون الألوهية ضرورية لتفسير الكون وفهمه. ولكن إذا سلمنا بحرية الإنسان ومسئوليته عن أفعاله، فإننا بذلك نعترف بوجود الله إما ضمنًا، وإما صراحة؛ لأن الله وحده هو القادر على أن يخلق مخلوقًا حرًّا، فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق، إذ الحرية ليست نتيجة ولا إنتاجًا للتطور، وإنما هي خلق من عدم. فمن اللحظة التي هبط فيها آدم (الإنسان) من الجنة، لم يتخلص من الحرية ولم يهرب من المأساة. فهو لا يستطيع أن يكون بريئًا كالحيوان أو الملاك، إنما كان عليه أن يختار، أن يستخدم حريته في أن يكون خيرًا أو شريرًا، باختصار أن يكون إنسانًا. هذه القدرة على الاختيار بصرف النظر عن النتيجة، هي أعلى أشكال الوجود الممكن في هذا الكون.

ويمضي علي عزت بيجوفيتش في بيان ما يتميز به الإنسان من خصائص روحية غير مادية، تجعل منه المخلوق الوحيد القادر على تحقيق القيم المثلى التي تفرق الإنسان عن الحيوان؛ فيقول: إن المساواة الإنسانية والإخاء بين الناس خصوصية أخلاقية، وليست حقيقة طبيعية، أو مادية، أو عقلية. إن وجودها قائم باعتبارها صفة أخلاقية للإنسان، بوصفها سموًا إنسانيًّا أو قيمة مساوية للشخصية الإنسانية، أما إذا نظرنا إلى الناس من الناحية المادية، أو باعتبارهم كائنات اجتماعية، فسوف يكونون دائمًا في كل هذا غير متساوين. ذلك لأن في تجاهل القيمة الروحية يتلاشى الأساس الحقيقي الوحيد للمساواة الإنسانية، وتبدو المساواة، حينئذ، مجرد عبارة بدون أساس ولا مضمون. فطالما حذفنا المدخل الديني من حساباتنا، سرعان ما يمتلئ المكان بأشكال من اللامساواة: عرقيًّا وقوميًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا.

وفي تدليله على المعنى السابق، يتساءل علي عزت بيجوفيتش قائلًا: لماذا نصادف كثرة من المعوقين حول المساجد والكنائس والمعابد التي نذهب إليها؟ ويجيب قائلًا: لأن بيوت الله وحدها تفتح أبوابها لأولئك الذين ليس لديهم ما يعرضونه أو يبرهنون عليه، أولئك الفقراء في المال والصحة، أولئك المستبعدين من موائد الاحتفالات في هذا العالم، حيث يُدعى الشخص لاسمه أو حسبه ونسبه أو موهبته أو علمه. ففي بيوت الله، وفي بيوت الله فقط، يمكن للفقير والأعمى أن يقفا جنبًا إلى جنب مع ملك أو نبيل، وقد يكونا عند الله أفضل منهما. ثم يردف قائلًا: إن أهم معنى حضاري وإنساني لأماكن العبادة يكمن في هذا البرهان المتكرر للمساواة.

يرى علي عزت بيجوفيتش أن الإنسانية ليست إحسانًا وعفوًا وتحملًا، وإن كان هذا كله نتاجًا ضروريًّا لها. لكن الإنسانية، بالدرجة الأولى، كما يعتقد هي توكيد لحرية الإنسان، والذي هو توكيد لقيمته باعتباره إنسانًا. وأن كل شيء يحط بشخصية الإنسان هو أمر غير إنساني.

ويضرب لنا مثلًا كاشفًا لهذه النظرة؛ فيقول: من الإنسانية أن نقول إن الإنسان مسئول عن أفعاله، وأن نحاسبه عليها. وليس من الإنسانية أن نطلب منه أن يتأسف أو أن يغير رأيه. إنها أكثر إنسانية أن يُعاقب إنسان بسبب معتقداته من إجباره على التخلي عنها أو التبرؤ منها.

ويزيد في الكشف؛ فيقول: هناك عقوبات إنسانية وعفو هو أكثر شيء غير إنساني. وينعي على النظرة المادية أحادية الجانب للإنسان؛ فيقول: إن تقليص الإنسان إلى مجرد وظيفة إنتاجية استهلاكية ليس علامة إنسانية، وإنما هو سلب للإنسانية، فتدريب البشر على أن يكونوا مجرد منتجين، وتنظيمهم في صفوف المواطنين الصالحين، هو أيضًا غير إنساني.

وفي انتقاده للأنظمة السلطوية والشمولية التي تنظر إلى الإنسان باعتباره رقمًا بين الأرقام يقول: إن أي تلاعب بالناس حتى ولو كان في مصلحتهم هو أمر غير إنساني، أن تفكر بالنيابة عنهم وأن تحررهم من مسئولياتهم والتزاماتهم هو أيضًا غير إنساني. فعندما وهب الله الحرية للإنسان وأنذره بالعقاب الشديد أكد بهذا قيمة الإنسان كونه إنسانًا. إنه وبدون الدين وبدون فكرة الجهاد الروحي لا يوجد إيمان حقيقي بالإنسان باعتباره قيمة عليا، بل بدون ذلك ينتفي الإيمان بإمكانية إنسانية الإنسان، أو بأنه موجود على الحقيقة.

وينبه علي عزت إلى فساد بعض المصطلحات التي يرددها الناس باعتبارها إنسانية، وهي على خلاف ذلك تمامًا فيقول: «الإنسان نتاج بيئته»، هذه المسلمة الرئيسة في المذهب المادي تعد نقطة انطلاق لجميع النظريات غير الإنسانية التي تتفرع منها في القانون، وفي علم الاجتماع، وفي ممارسة التلاعب بالبشر التي بلغت ذروتها في عهد النازية والستالينية، وغيرها من نظريات الإغواء التي تضع أولوية المجتمع فوق الأفراد، وتؤكد التزام الإنسان بخدمة المجتمع. أما عندنا فلا يصح أن يكون الإنسان خادمًا لأي إنسان، ولا يجب أن يُتخذ وسيلة، بل يجب أن يوضع كل شيء في خدمة الإنسان. فالإنسان خادم لله فحسب، وهذا هو المعنى المطلق للإنسانية. وفي جملة مختصرة جامعة لما سبق يقول علي عزت بيجوفيتش: «ليس الإنسان مفصلًا على طراز داروين، ولا الكون مفصلًا على طراز نيوتن». 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات