يجري تساؤل في النفس، هل نحن فعلًا خلقنا لننتمي لهذه البقعة الجغرافية، وترسم الحدود ونصبح داخل هذه البقعة، ويفرض علينا قوانين وقواعد وتعاليم ومشاكل يجب أن نجتازها، وظروف يجب أن نتحملها؟ هذا تساؤل يدور في داخل النفس اليقظة التي ينتابها الشك والحيرة الدائمان.

ما المضمون الكامن وراء هذه التساؤلات الشائكة المحيرة، أتعتقد أنك ستسأل أيًا من هذه الأسئلة لو كان لدى الفرد ظروف جيدة، وأحوال غير التي تقسم الظهر إلى أقسام؟

هل هذه هي الهوية التي نبحث عنها؟ وهل من المعقول أن هذه الهوية هي التي تحتم علينا تحمل كل تلك المآزق، كما تفعل بنا أسماؤنا أحيانًا، في حالة أنك حملت اسمًا لا يليق، وإنما هو فقط عبارة عن توريث لاسم حتى يخلد هذا الاسم كاسم الجد أو الأب، وغيرها من تلك العادات الجيدة أحيانًا، وهذه ليست دعوة لترك جميع الأسماء، ولكن دعوة للنظر في ما إذا كان هذا الاسم لن يسبب لحامله المتاعب، ولأن الأسماء غالبًا ترتبط بزمن معين وثقافات مختلفة تتغير وتتبدل فيصبح القديم جديدًا والعكس، فالهوية والاسم لا يجب أن تأخد على محمل التشخيص ورسم الانطباعات السيئة أو حتى الجيدة كي لا تحدث الخديعة، لأن ذلك ينعكس على الحوار حتى وإن كان موضوعيًا، فلا بد من انعكاس تلك الهوية على صاحبها، بمعنى أنك لو حاورت شخصًا ما يختلف عنك في الثقافة أو الحضارة ولنقل الديانة فكل تلك العوامل ستعكس صورة ذهنية عن هذا الشخص، وتحاول هذه الصورة أن تعطي إطارًا للموضوع الحواري الذي ربما لن يصبح حوارًا؛ لأن في الحوار يتم تبديد سوء التفاهم بين الطرفين، وتتم فيه الخروج بنتيجة مرضية نوعًا ما، وما دون ذلك ليس حوارًا.

إذًا هذه البقعة الجغرافية هي التي تحدد مسار حياتك وترسم شخصيتك – وهذا مفهوم غير مكتمل – لأن هذه البقعة الجغرافية تمكنك من فرض الصراعات على غيرها وكأنها تمتلكك أنت مجرد أنك ولدت فيها أو انتميت وحملت اسمها، لا بل  إنك أيضًا منقاد من قبل ولاة قوتك كما تسميهم وتدافع عنهم شر دفاع، وفي النقاش تسمي كل فعلك هذا: في سبيل الهوية والوطن وتلك المسميات، ألا تعتقد أن هذا نفسه تجرؤ وتمزيق لتلك الهوية! كم يروق لنا تسمية أنفسنا بما هو ناقص لدينا والادعاء بأننا ممتلئون به!

يقول أمين معلوف في مقدمة كتابه (الهويات القاتلة): الهوية لا تتجزأ أو تتوزع أنصافًا أو ثلاثًا أو مناطق منفصلة. أنا لا أمتلك هويات متعددة، بل هوية واحدة مكونة من كل تلك العناصر التي شكلتها وفق معايير خاصة تختلف تمامًا بين رجل وآخر. يؤكد هنا أمين معلوف أن ثقافات وتقاليد وانعكساتها هي التي تشكل هوية الفرد ورؤيته ليس القدر الذي يعيشه الشخص في هذه البلد أو تلك، أو مسقط الرأس.

كم قبلنا من حروب وانجررنا نحوها بدافع واسم الهوية والوطن، ولا نقبل بغير الحرب! هل هذا معقول؟ أليس هناك حلول أخرى؟

تخيل معي أن هناك رجلًا بلا وطن وبلا هوية أو اسم حتى، أتعتقد أنه سيستطيع العيش في هذا العالم المليء بالصراعات، لو افترضنا أنه أصبح مقبولًا في هذا العالم، لن يقبل هو نفسه بهذه الكيفية إطلاقًا، حتى يستطيع تكوين أعداء وحلفاء ويسميها بعد ذلك بالقومية والحيوية.

وهذا هو الحال الدائم وخاصة عند شعوبنا العربية، وما تعانيه من واقع حاضر أليم أفقدها جزء من شخصيتها وثقافتها، وكيف أننا لم تؤثر فينا موروثاتنا وحضارتنا، لو انعكست هذه الحضارة لما عانينا هذا الألم والتفرق بدافع هوية، أو بمعنى آخر التقسيم، فكلاهما سواء، الهوية أنك إنسان تتقبل ثقافات وتتعانق مع حضارات وتوافق على تقاليد أو ترفض، ليس باسم بلد أو حزب أو غيره من المصطلحات الغريبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد