لطالما كان السؤال من هو الإنسان الذي ينبغي أن نكونه؟

ما جوهر إنسانيته والثروة الهائلة التي ينبغي أن ننفض عنها الغبار لتلمع؟

هل إرادة الإنسان هي من تحكم اختياراته؟

أهو المسؤول الأول عن الإنسان الذي يكونه؟

وهل ترتبط إنسانيته بمدى عطائه وعطفه مع الآخرين؟

في الواقع إن الإنسان سيد اختياراته، ومَلِكُ طاقته، والمطواع لأفكاره التي لطالما أنعم الله عليه بالقدرة على توظيفها إما بصلاحٍ ينير دربه، أو ضلالٍ يطفئ نار شمعته.

تتعدد الإجابات دومًا لتلمعَ واحدة، إنّ الإنسان حين يخرج من دائرة راحته وأنانيته إلى دائرة الإحساس بالآخرين، سيصلُ لأسمى مراتب الإنسانية. سيتنازل عن دور الحَكَم عليهم وسيكون حتمًا قد بدأ يشُقُّ طريق الصواب.

ربما أهم ما في «الطريق الصواب» هو أن تصلَ إلى نفسك أولًا، لن تكون قادرًا على الإحساس بمن حولك ما لم تكن قادرًا على تقدير نفسك، نفسك التي لطالما قدَّرها خالقك وأوصى بها لتكون استخلافًا وحقًّا وخيرًا أينما حلَّت، لتكون من الأيادي الخفية المباركة أينما مُدَّت، والخير الأعظم المنقذ في زمن ضاعت فيه البوصلة، في الواقع إنّ النص القرآني ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة﴾ سيُقصِّر ويُسهِّل الرحلة عليك، سيأخذك حيث يجب أن تكون.

وأول الرحلة نبدؤها بالتطوع حيث العطاء والإنسانية بحذافيرها. هنا سنقف قليلًا عند دوافع الإنسان الذي يبذل بلا مقابل، لأي مرحلةٍ يؤمن بالفكرة، الفكرة التي ستكون دافع استمراريته ودافع عطائه بنيةٍ سليمة ومقاصد سامية، وما مدى درجة البذل بلا مقابل؟

ربما رحلة تطوعك ستبذل فيها من وقتك وجهدك وصبرك لكنَّها حتمًا ستمدُّك بتجربة غنية فريدة بالخبرات العملية وقبلها الإنسانية بشرط أن تختار البيئة التي تجعل من تطوعك أسلوب حياة، ومن زملاء المكان أصدقاء عُمر خيِّرين.

هُنا ستجد ملاذ رضاك وسعادتك أنتَ أولًا ومن ثم مجتمعك، سيُقدّم لك قبلَ أن يأخذ منك، وسينفض الغبار عنك لتلمع أنت ولتكونَ مستعدًّا لرحلة العطاء.

في كلِّ مرة كنت أستشعر عظمة ما أفعل من لمحات بسيطة.. دعوات ممزوجة بالكثير من الحُبِّ، ابتسامة عريضة وطفلة تقول لي «على فكرة بحبك لمّا أكبر رح أصير بشبهك»، كل ذلك كان كفيلًا ليصنع يومي ويُشعرني بقيمتي.

لكن المرة الأخيرة التي استشعرت فيها عظمة ما أفعل كانت مختلفة.

كانت عندما تُوفيت زميلة جمعني بها مكان تطوعي، لم تجمعني بها ذكريات ولا حتى ضحكات ومواقف، ربما كل ما أعرفه هو اسمها، لكن كل ما أذكره في ذلك اليوم أن الحزن كان يملأ المكان، حينها أدركت أن ما جمعني بها حقًّا هي الفكرة. الفكرة التي استنشقناها في تفاصيل أيامنا والتي شهدت عليها جدران الحارات الضيِّقة العتيقة في أقسى أيام الشتاء عندما كنَّا دفئًا لكثيرٍ من العائلات.

وفي أشدِّ الأيام حَرًّا عندما كنَّا بردًا وسلامًا وفرحًا لكثيرٍ من الأطفال.

الفكرة التي كانت تشدُّ بأيدينا دومًا نحو طريقٍ مسيَّجٍ بالشغف الممزوج بالعطاء دون إكراه ولا إجبار.

أقصد عندما يكون دافعك الأول هو الإنسانية معجونةً بالكثير من الشغف ستكون قد وصلت حقًّا لجوهر إنسانيتك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد