الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

لا شك أن الله تعالى خلق البشر كلهم بقدرات وإمكانات، بحيث يكونون تحت سقف معين لا يتخطاه أحد، وهذا السقف وما أدناه هو ما نعرفه بالبشرية، ولا يجوز لأحد أيًا كان تعدي هذا السقف، ولكن هذه الصفة الموجودة فينا إذا ما قرر أحدهم أن يجعلها سيفًا مسلطًا علينا كلما أردنا توقير أحد، أو طالبنا التأدب مع شخص ما الأدب الذي يستحقه، فيجب أن تكون هناك وقفات نلتمس فيها تسليط الضوء أكثر على معنى صفة البشرية، وإلى أي مدى يمكن أن تصل قدرات البشر دون أن تتجاوز السقف، ثم نتحرى عن مدى تعارض صفة البشرية مع حق التوقير والأدب أو المقام العالي الذي يمكن أن يناله أي شخص.

صفة البشرية تشمل كل ما هو دون الكمال، فكل شيء هو تحت درجة الكمال يمكن أن يدخل في صفة البشرية باعتبار أنه نقص، وهذا بالرغم من أنه يبدو مجرد حساب رياضي، إلا أن هذا لا يمنع من كونه توصيفًا جيدًا لمعنى أن تكون (مجرد بشر) ولو قدّم أحدهم فرضية أنه كان هناك شخص ما عاش حياته كلها حتى مات ولم يرتكب خطأ واحدًا في حياته؛ لأن توفيق الله عزّ وجل كان ملازمًا له طوال الوقت، لما استبعدت تلك الفرضية، ولما قطعت بصحتها كذلك، بل ستبقى جدلية قد يتيسر حلها في موضع آخر، ولكن الذي يهمنا هنا هو معرفة إلى أية درجة يمكن أن يصل الإنسان وهو على صفة البشرية هذه.

بما أن صفة البشرية مرهونة بعدم الوصول إلى درجة الكمال فإنه يمكن القول أن فرص التفوق أو الإجادة التامة في مجال دون آخر متاحة بالنسبة له بحكم أن الإنسان متعدد المجالات أو مرتبط بعدة حقول تطبيقية، فالإنسان مرتبط بمجال علاقاته الاجتماعية ومرتبط بمجال عمله ومرتبط بالحقل المعرفي ومرتبط بالحقل التربوي بحكم التعامل مع أبنائه وغيرها، فيمكن أن يتقن التطبيق في العلاقات الاجتماعية ويخطئ في الحقل المعرفي أو يتقن في التربية ويخطئ في العمل أو المهنة التي يمتهنها، أو يتقن اثنين ويخطئ في واحدة، أو العكس، كل هذه الخيارات وغيرها لن تخرج الإنسان عن وصفه بأنه (مجرد بشر يصيب ويخطئ) مع الإقرار بتفوقه ونبوغه الأمر الذي يستدعي بطبيعة الحال الإشادة، وأن يكون شخصية مرجعية يتعلم الآخرون منه، ويقتدون به في ذلك المجال، أو الحقل الذي أتقنه وتفوق فيه.

يمكننا أن نقول إذًا إن الرد على من يوقّرون شخصًا ما أو يذكرونه بخير بالقول بأنه (مجرد بشر) يصيب ويخطئ هو رد لا يساوي أي شيء في ميزان النقد السليم الذي ينتفع القارئ أو المتلقي منه ويستفيد، وفي الغالب يكون هذا الرد هو مجرد نوع من المناكفة والمماحكة لأن هذا الذكر بالخير لا يعجب سامعه فيأتي بمثل هذا الرد، أو نوع من المكابرة وعدم الإقرار بالخطأ في القول كما فعل صاحبنا الذي لبس عباءة الشيوخ منذ سنوات ووجدناه يلقي الدروس وحِلق العلم بعد أن كان يفسّر الأحلام، صاحبنا الذي كان يعظم دور تحفيظ القرآن الكريم وأهميتها في تعليم الأطفال وتخريج الكوادر الحسنة وجدناه يصفها بأنها هي أول معاقل التنظيمات الإرهابية وأن مكافحة الإرهاب يجب أن تبدأ منها، صاحبنا الذي اتخذ برنامجه الذي يتخذ من الإيمان عنوانًا اتخذه منبرًا لسب الدعاة وتخوينهم من ناحية، وسب قطر وأميرها ووصفهم بداعمي الإرهاب والخوض الأرعن في دهاليز السياسة من ناحية أخرى.

ولأن صاحبنا ضعيف في التحليل والطرح العلمي السليم على عكس ما توحي به شهادة الدكتوراة التي نالها مؤخرًا فقد وجدناه يقول بأن أول من تشدد كانوا من الصحابة.. لماذا؟ لأن هناك من أتى وقال إنه سيصوم ولا يفطر، ومن قال إنه سيقوم الليل ولا ينام، ومن قال إنه لن يتزوج النساء؛ فكان رد رسول الله كما يعلمه الجميع، ولكن من أين عرف صاحبنا أن هؤلاء أرادوا أن يسبقوا النبي عليه الصلاة والسلام في فعل الخير؟ لماذا لا يكون ذلك من باب روح المبادرة وحب العمل الصالح الذي شابه سوء التقدير؟ وهذا هو المعقول نظرًا لأحداث مشابهة منها موقف عمر بن الخطاب في صلح الحديبية ومنها موقفه في قصة أسرى بدر ومنها قصة الصحابة الذين أرادوا صلاة العصر قبل الوصول إلى بني قريظة وغيرها من المواقف التي يمكن عدّها بحسب فهم صاحبنا أنها نوع من التشدد.

الذي لم يفهمه صاحبنا أن هذه الفترة أي فترة حياة النبي عليه الصلاة والسلام بين أصحابه كانت فترة للتربية والتقويم والتوجيه لذلك الحرص الذي أظهره الصحابة في حياته لأن يكونوا من السابقين في الخيرات وتلك الطاقات التي يبذلونها ليقدموا كل شيء لخدمة الإسلام والمسلمين، فكان عليه الصلاة والسلام يوجه كل ذلك بحيث لا يكون ضد مصلحة الدين ولا يأتي بعواقب سلبية وهذا مما يمكن أن يقع، فعاملا الاستعداد للبذل والحكمة مترافقان يجب ألا ينفصلا فلا يكون الاستعداد للبذل فاعلًا ما لم تتوفر الحكمة التي تضعه في مكانه الصحيح، ولا تكون الحكمة فاعلة ما لم هناك استعداد للبذل لتنفع صاحبها وتنفع المجتمع المسلم.

حكم صاحبنا على الرجال في الحديث بأنهم يريدون الرهبانية في الإسلام ومحل التلبيس هنا هو أن الخلط بين ما يريده الرجال وبين مؤدى ما نوى الرجال فعله آنذاك، فالقول أن ما نواه الرجال بالقيام دون النوم والصيام دون الأكل والانقطاع عن النساء سيؤدي إلى الرهبانية في الإسلام هو أمر مختلف تمامًا عن القول بأن الرجال يريدون الرهبانية في الإسلام لأن الأولى يمكن أن تؤخذ على حسن النية وسوء التقدير، بينما الثانية لا مجال لحسن النية فيها، ولذلك لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم على الرجال بأنهم ممن رغبوا عن سنته، بل بيّن أن ما ينويه هؤلاء هو خلاف ما يفعل ومن يريد خلاف ما يفعل فهو ليس منه.

إضافة إلى كل هذا فالتعبير عن ما يفعله الصحابة بالتشدد وهم من رفع الله تعالى قدرهم في القرآن وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام في أكثر من مناسبة هو ليس بالأمر الذي يُقابَل بالترحيب، فكيف للمتلقي أن يقبل استخدام نفس اللفظ الذي يُستخدم لوصف الخوارج ومن دار حول فلكهم من السابقين واللاحقين أو المعاصرين في حق أصحاب رسول الله، ولكن الكبر والاستعلاء على المنطق السليم تحت غطاء محاربة الظلاميين كان هو ديدن صاحبنا؛ فأخذ يعدد الآثار التي جاءت في ما وقع فيه بعض الصحابة من انحراف ليقول لنا إن الصحابة ليسوا معصومين من الخطأ، وأن نعفي الناس من هذه القداسة العمياء كأن هناك من طلب منه أو غيره أن يسجد لأحدهم من دون الله أو شيئًا من هذا القبيل، فلو كان صاحبنا يرد على مخالفيه بهذه الحجة على أساس علمي كما يحاول أن يظهر لنا فهل يتسق ذلك مع تبجيله اللا محدود لحكام الدولة التي يعيش فيها وفتواه أن لا ينتقدهم أحد في العلن بحجة عدم إثارة الفتنة، أليس من الأولى ما دام أن صاحبنا يسرد كل الآثار التي سردها عن الصحابة ووصف الوليد بن عقبة بالفاسق أليس من الأولى انتقاد أحد أفراد الأسرة الحاكمة في البلد التي يقيم فيها والذي ظهر في تسجيل فيديو يضرب أحد العمال الوافدين الأجانب بطريقة بشعة وغير إنسانية.

ما فعله صاحبنا لم يكن خدمة للعلم ولطلبة العلم، وإنما كان خدمة لنفسه المتعالية المتطلعة لنيل التشريف والمكانة بين الكبار ولو لم يكن مستحق لها، ولو كان غير ذلك لما غفل أو تغافل عن تعظيم الله تعالى لقدر هذه الطائفة في آخر سورة الفتح وغيرها من المواضع، ولا عن ذكر المصطفى عليه الصلاة والسلام لهم بالخير في أحاديث كثيرة في هذا الباب، ولو تخلى صاحبنا عن ما في نفسه قليلًا لأدرك وأقرّ بأن هذا الثناء الإلهي والنبوي في حق هؤلاء هو الأصل الذي يُبنى عليه في الحديث والنقد وليس هذا الكلام غير المنضبط وغير الموزون، فما وقع من بعض الصحابة من خطأ، ووضعه صاحبنا تحت مسمى التشدد هو أمر يمكن لأي أحد منا الوقوع فيه فما يحسبه المرء خيرًا قد يكون فيه مفسدة عظيمة لا يدري بها، وهنا تأتي قيمة المناصحة، وأن يكون كل واحد رقيبًا على الآخر.

نحن أمة خصّها الله تعالى بأنها أمة وسط، وهذا يتطلب بالضرورة الإنصاف مع الغير، وإعطاء كل ذي حق حقه، ومن الصعب جدًا القيام بهذا دون تنحية أي ولاءات وانتماءات، وأي مشاعر ميل أو نفور أخرى من شأنها أن تؤثر على الحكم والنقد الموضوعي، ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلّم: اللهم وفقني لقول الحق في الغضب والرضا، وبالمناسبة هذا الكلام لا ينطبق على الصحابة فقط، بل ينطبق أيضًا على كل من تفوق في مجاله وتخصصه علميًا وأدبيًا وغيرها من التخصصات وحتى الصفات الأخلاقية، وهذا ليس إرضاءً لشريحة معينة من الناس، بل هو إيصال لفكرة أن من العدل والإنصاف أن تصف الشيء بما فيه من غير زيادة ولا نقص، فالثناء والشكر في الحقل المعين حق مكفول لكل من تفوق في ذلك الحقل أو المجال، أو أثرى ساحته وقدّم فيه الفائدة وانتفع به الغير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, رأي, فكر, نقد
عرض التعليقات
تحميل المزيد