الحضارة.. تلك الكلمة التي يعبر بها الشعوب عن أمجادهم في غابر التاريخ أو عن آمالهم في مستقبل الأيام أو عن افتخارهم بواقعهم المزدهر، أو هي الوصول إلى نموذج يحقق السعادة لمن يحضره ويترك أثرًا لمن بعده، غير أن هذه الكلمة عند بعض الناس من المرونة بما يجعل إطلاقها هينًا وسهلًا على أي إحراز لمستهدف أو تقدم في مجال أو سبق في اكتشاف مهما صغر أو كبر، وعند بعض الناس من الصعوبة والاستحالة ما يجعلهم يحصرونها في أمجاد الماضي العتيق فقط، ولكي نفهم أكثر لا يهمنا كثيرًا تعريفات كلمة “حضارة” اللغوية والثقافية على قدر ما يشغلنا مدلولها وعناصرها.

إن الحضارة هي حصيلة ثقافة ومدنية، فالجانب الثقافي هو تصورات الشعوب وعاداتها وأسلوب حياتها وأخلاقياتها وقوانينها ونظمها المعتمدة وأعرافها الراسخة في وجدانها، والجانب المدني يعني الجانب المادي في هيكلة الأمة مثل: المصانع والبناءات والعلوم اللازمة لقيام الجانب المادي – وإن كانت هذه العلوم في أصلها جزءًا من الثقافة، والثقافة والمدنية كما هما ركيزتا الحضارة فإنهما معياران لقياسها؛ فنقيس مقدار تحضر شعب ما من خلال مقدار تقدمه وازدهاره مدنيًّا وثقافيًّا.

ولعل ارتكاز الحضارة على ركيزتي الثقافة والمدنية راجع إلى كون الحضارة تستهدف في الأساس تلبية احتياج الإنسان وتحقيق الرضا والسعادة له، وهذا لا يتأتى إلا من خلال إشباع جانبي تكوين واحتياجات الإنسان المادي والروحي، فالإنسان عبارة عن جسد له شهوات يحتاج إلى الطعام والشراب وغيرهما وهذا يشبعه الجانب المادي للحضارة، والإنسان روح تحتاج إلى القيم والمبادئ والمُثل العليا وهذه يشبعها الجانب الثقافي للحضارة.

والحقيقة أن الجانب المادي في الحضارة منفصل عن الجانب الثقافي، فقد تجد أمة متحضرة ثقافيًّا متخلفة ماديًّا أو العكس. والدليل على ذلك أن التقدم المادي موجود مع تعدد الأنظمة الثقافية في عالمنا المعاصر، فتجد في الغرب الرأسمالي تقدمًا ماديًّا وفي الشرق الشيوعي تقدمًا ماديًّا وفي دول ملحدة لا دين لها وفي اليابان والصين والهند ذوي الديانات المتخلفة التي لا يمكن قبولها منطقيًّا ومع ذلك تجدهم متقدمين في الجانب المادي، ولا يفوتك في نظرتك التاريخية التقدم المادي الذي أحرزه المسلمون قديمًا. على كل حال، فإن التقدم المادي غير مرهون بالتقدم الثقافي.

وهذا كله نتج عنه أنه يختلط على الناس فيظنون أن كل تقدم مادي مصحوب معه تقدم ثقافي، وبناء عليه تجد المتقدمين حضاريًّا يطرحون أفكارهم وثقافتهم على بقية الشعوب عن طريق الاستعمار أو الاحتلال أو انتشار النفوذ عن طريق التعليم أو غيره. ويكأنها هي الثقافة المثلى والأصح، وهذا خطأ – كما أثبتت التجربة وتثبت مبادئ المنطق- فالحقيقة أن الثقافة منفصلة عن المادية.
والتاريخ يخبرنا أنه عندما تُوجد أمم متخلفة ثقافيًّا متقدمة حضاريًّا (مثل الدول الملحدة أو التي تهمل الدين المتقدمة حاليًا)، تستعوض هذه الأمم خلل ثقافة أفرادها وأخلاقهم التي تمثل الوازع الداخلي لفعل الخير وترك الشر من خلال الرادع الخارجي المتمثل في القوانين التي تضمن حفظ تقدمها المادي وتحشد أفرادها للبذل المادي وتكافئ وتعاقب وفقًا للنظام المادي ومتطلباته.

هذه التجربة ثبت فشلها وضررها على الإنسان الذي سعادته هي هدف التحضر، فتجد الشخص لا يرتكب الخطأ خوفًا من القانون، ولكن إذا ما استطاع أن يرتكب خطأه بعيدًا عن أعين القانون أو يجد لخطئه مصوغًا قانونيًّا فإنه سيرتكبه ولا حرج، هذا غير أن التقدم المادي فقط دون التقدم الثقافي يؤدي إلى فتور قوة الإنسان الروحية لأن النظرة المادية لا تتعامل مع الإنسان إلا على أنه ماكينة منتجة، وتهمل تأهيل الجانب الروحي في الإنسان الذي يشكل مشاعره وأخلاقياته وتصوراته وعاداته، ولعل عدم التوازن هذا مبرر كافٍ لظواهر الانتحار في صفوف الأغنياء وأبناء الشعوب الراقية ماديًّا.

وعلى الوجه الآخر، قد تجد نموذجًا متقدمًا ثقافيًّا ولكنه متخلف ماديًّا (كما حال المسلمين اليوم)، فالمسلمون يمتلكون ثقافة متوازنة وشاملة وفيها إجابات لكل الأسئلة التي يريدها الإنسان سواء عن سبب وجوده أو وظيفته في الحياة أو غير ذلك، والثقافة الإسلامية لديها من المقومات ما يجعلها تمثل وازعًا داخليًّا قويًّا للإنسان ليبذل الخير ويترك الشر.. وكثير من المميزات التي ليس هنا مجال ذكرها. المسلمون رغم امتلاكهم للثقافة المثالية (بشهادة أعدائهم) إلا أنهم متخلفون ماديًّا بل ويعتمدون على غيرهم في إشباع احتياجاتهم.

لا أخفيكم سرًّا.. إن البشرية اليوم في أمس الحاجة إلى نموذج متحضر متوازن بين المدنية والثقافة، نموذج له سبق في التطور العلمي والتقني وتوفير احتياجات الناس الأساسية والترفيهية أيضًا، وله سبق أيضًا في تقديم نموذج ثقافي يرتقي بالإنسان روحيًا ويحقق له السعادة ويعطيه تصورًا واضحًا عن الحياة وواجباته فيها.

يفوتك أن تعرف أن الشعوب المتقدمة ثقافيًّا يكون وصولها للتقدم المادي أقرب وأيسر من وصول الشعوب المتقدمة ماديًّا إلى التقدم الثقافي، لأن الإفاقة من الانهيار والانحطاط المادي أيسر بكثير من الإفاقة من الانهيار الثقافي والتصوري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

المستقبل لهذا الدين لسيد قطب
الإسلام بين الشرق والغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد