في عالم يجتاحه وباء سُمي بالقاتل الصامت، عجز العالم والعلم بما فيه المنظومات الصحية أمام هذه المعضلة -إن صح القول- التي أصبحت تؤرق كل فرد على وجه المعمورة، أين فُرض الحجر الصحي الذي أصبح يشكل هاجسًا وجب التعايش معه على الرغم من كونه يصب في الصالح العام.

أُخليت الشوارع، وغابت عنها الحركة نتيجة إغلاق المرافق العمومية في أكبر مدن العالم، لدرجة أن بات يُهيأ لنا أن عجلة الزمن توقفت وأصبحت في جمود يشل حركتها بشكل تام.

استنزفت الدول كل قدراتها العلمية والمالية وحتى التكنولوجية في مواجهة الوباء، ليحل بذلك الروبوت محل الإنسان، ويصبح المتغير الأساسي في الحياة اليومية البشرية.

ظهرت الآلات بشتى أنواعها، وتعزز البحث في المجال الميكانيكي، فأصبحنا نرى مشاهد لم نعهدها من قبل. فهذه آلة تستعمل لتعقيم الشوارع، و أخرى في صورة روبوت تستعمله قوات الأمن لمطاردة كاسري قواعد الحجر، كل هذا بغية تفادي العدوى بين البشر. فتسابقت الدول لإقتناءها بأسعار وهمية كلفت خزائنهم أموالًا طائلة، الأمر الذي يجعلنا نتساءل ما إن سيحل الروبوت محل الإنسان في المستقبل القريب.

فكرة ليست وليدة البارحة، فقد طرحت مع بداية الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، بعدما طغت الآلة عن الحياة الصناعية آنذاك. على الرغم من أن أول رجل آلي تم صنعه لأمير ديار بكر، بعدما طلب هذا الأخير ذلك من المهندس العربي المسلم أبو العز ابن إسماعيل الجزري بغية الاستغناء عن الخدم المنزلي، و تعززت هذه الفكرة بمحاولات عدة والتي بدورها كرست معادلة حتمية أين أصبح الإنسان المتغير المهدد بالانقراض أمام جحافل الآلات.

واقع يرمينا رماح الهواجس والقلق عن مصير البشرية والإنسان بعدما أنشأ وصمم المكينة، حيث أصبحت هذه الأخيرة تنازعه في شتى المجالات لدرجة التفوق عليه. فهل سيصبح السيد عبد عبده؟

وكيف لا، وقد خسر العديد مناصب شغلهم جراء تطور الذكاء الاصطناعي، وأصبح الكل يتقاعس عن أداء واجبه في المجتمع باعتماده على البرامج والحواسيب والآلات من أجل إنجاز أبسط الحاجات بعدما كان العقل البشري سيد الموقف، فها هو المترجم يستعين ببرنامج متعدد اللغات من أجل تحصيل ترجمة متوافقة ولو مبدئيا والمهندس الذي يُدخل المقاييس للحواسيب حتى يتحصل على مخطط جاهز نسبيا والطبيب الذي يتخذ للأجهزة المعقدة من أجل الكشف عن المريض، ولم يتوقف ذلك عن الطبقة المحترفة فقط بل يتطاول ليشمل عامة الناس، إلا القلة القليلة المحافظة التي لا زالت تدافع و تصارع من أجل البقاء في حرب لم تضع بعد أوزارها وخاصة بعد احتدامها في ظل جائحة الفيروس التاجي الذي فرض علينا سياسات جديدة أبرزها المكننة والرقمنة التي تتجلى بوضوح في معاملاتنا اليومية. فلم يقتصر الأمر على التجارة والتسوق فقط بل تعدى ذلك ليشمل الدراسة عن بعد والاقتناء والدفع الإلكتروني واللوجيستيك والتوزيع خاصة ونحن نعيش تحت طائلة الحجر الصحي، ما يدفعنا لتقبل الواقع المر بالاعتراف أن لكل شيء ثمن. فها نحن ندفع ثمن رغدنا بإخلاء الطريق للآلة التي أصبحت المهيمن و المسير لحياتنا اليومية بعد أن كنا أسياد أنفسنا.

فمن المؤكد أن التطور الذي نشهده حاليا وخاصة في الظروف الراهنة يشكل نقلة نوعية من الجانب الحضاري، إلا أن وجب على البشرية الخوض في المواضيع السالفة الذكر وإعادة النظر في سياسات النظام العالمي، لتدارك التأخر الإنساني الذي لحق بعالمنا المتغير والذي أصبح يعيش حالة من البرود الاجتماعي نتيجة الاعتماد على سياسة التوجيه عن طريق الذكاء الاصطناعي، وذلك من أجل الانتقال بالبشرية من الحياة المقننة والارتقاء بها إلى درجات الريادة في التوجيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد