كل إنسان في هذه الدنيا يبحث عن مخرج، عن حل لسؤال يُلِحُّ عليه، يبحث عن معنى لحياته، عن نهاية لمأساته، ويتعذّر مطلبه وتزداد صعوبته كلما ظن أنه الوحيد من بين هذه البشريّة يختبر هذا الألم ويعيش هذه المعاناة، والعكس بالعكس فكلما عرف أن كل البشريّة تشاركه باختبار هذه التجربة قلت صعوبة التحديات، أو بالأحرى تغيرت نظرته للأمر وربما واجهها بتوازنٍ أكثر واضطرابٍ وقلقٍ أقل. وإدراك ذلك نعمة تُحمد، ويرجع سبب عدم إدراك هذا هو سنة الله في خلق الناس مختلفين، فيظن المرء أن معاناته فريدة تخصّه وحده لما يرى من أن سعي الناس شتّى، فينظر إلى الناس فإذا مسالكهم وطرقهم التي يتخذونها مختلفة، فيصل إلى نتيجة مضللة أنه وحده من يعاني، ولا يدري أن الكل يبحث ويحاول أن يجيب عن السؤال المُلِحّ أو إيجاد الحل لمشكلتهم لإنهاء معاناتهم على هذا الكوكب.

فكلنا –نحن البشر- في أعماقنا خوف – سواء اعترفنا أم أنكرنا- خوف يحركنا وبحثٌ مستميتٌ عن الأمان، عن الحب، عن أي مكان يكون ملجأ لنا، يفهمُنا، يُنسينا، «يطبطب» علينا، يقْبلُنا، وربما فعلنا أشياء كثيرة وحاولات عديدة من شأنها أن تزيّننا في عيون الآخرين، علّنا نأخذ منهم ويعطوننا ما نحتاج إليه من تفهّم وأمان وحب. وقد يؤدي بحثنا المستمر عن البدائل المتاحة وفي الخيارات التي لدينا عن وقوعنا في خيْبات أمل متتالية وانتكاسات متكررة مما يساهم في زيادة مساحة الخوف بداخلنا. فمنّا من لبس قناع المثقف والعالِم، ومنّا من ركب السيارة الفارهة، ومنّا من اعتزّ بماله، ومنّا من أطال ذقنه وقصر ثوبه، وغيرها من محاولات وحيل لإخفاء معاناتنا أو محاولة الإجابة عن سؤال: من نحن في هذا الوجود؟ وأكثرنا ركبنا موجة ثقافة الاستهلاك –سواء المادي أو المعنوي- بغية أن نجد ضالّتنا من حب وأمان وإنهاءٍ للمعاناة، ولكن دون جدوى فالاحتياج يزيد والفجوة تتسع، والراحة والسعادة لا تتحصّل.

ويزداد الأمر صعوبة بالإنكار لهذه المعاناة وعدم الإعتراف بها، حينها سنظل في دوّاماتٍ ومُلْهياتٍ تبعدنا عن أنفسنا، وتقربنا من الآخر ليس توددا ًولكن بإلقاء اللوم عليه وتحْميله كامل المسؤولية عن أسباب معاناتنا وألمنا نحن، وهذا الآخر قد يكون أبًا أو أمًا أو زوجًا أو زوجةً أو قانونًا أو مسؤولين فاسدين أو دولة أو العالم بأكمله، حينها فقط ستخرج معاناتنا عن السيطرة وبدلًا من التحكم فيها؛ ستتحكم هي فينا، ولهذا أضحى بعض الناس للوحشية أقرب منهم للإنسانية؛ لأنهم فقدوا السيطرة تمامًا على أنفسهم، فهم في سكرة أو غيبوبة كاملة. لوم الآخرين على معاناتنا كارثة، وعدم تحمل مسؤولية حياتنا كارثة أكبر، لأننا سنَلبَسُ ثوبًا مزيفًا من القوة بينما نحن في غاية الضعف، وسنلبس ثوب الضحية بينما نحن في غاية الإجرام. سبب كل ذلك اغترابنا الكامل عن أنفسنا، والعجيب في هذه الحالة أن كل من هم حولنا سيفهموننا أكثر من أنفسنا بينما نحن مغتربين عن ذواتنا ولا نعرف ماذا نريد.

وقريب من هذا الصدد قصة جميلة لرواية أطلعني عليها صديق لي لم تنشر بعد اسمها «نزيه» على اسم بطلها ويعيش هذا الشخص حياة في غاية المثالية والتمام والشرف والإخلاص ويعيش بكل تفانٍ وعطاء ومحبة للآخرين، ولديه كل الدلائل العقلية على حياته النزيهة والتفسيرات المنطقية لكل حياته، بينما حين تتأزم حياته يكتشف بكل ألم ومرار كيف كانت حياته على النقيض تمامًا، ومليئة بالاستغلال والجشع والطمع والغش وعدم احترام مشاعر الآخرين، فينهار أمام ذاته، فبعد أن كان يظن نفسه نزيه النزيه حقًا؛ تفاجأ بها وبفسادها في عيون الحقيقة عيون الآخرين. كل هذا سببه الاغتراب عن الذات.

إن من العبث والضلال حين الاعتراف بوجود معاناتنا أن نبحث عن مصدرها والمحاولة ولإنهاءها تماماً، فالمعاناة موجودة، قال تعالى «ولقد خلقنا الإنسان في كبد»، وهذا الكبد لا يتنافى مع الحياة الطيبة إذا فهمناه وقبلناه ولم نرفضه أو نبحث عن مصدره، والحقيقة هي أن المعاناة الكبرى «الخارجة عن السيطرة» وهمٌ وصناعة ذاتية وإنتاج ذاتي، ذلك ليظل الإنسان في عين نفسه أنه قادر وناجح ولكن الآخرين هم الذين يحولون دون قدرته ونجاحه، وما هذه إلا تورية، وحيلة نفسية تمنعه من الانهيار أمام نفسه وأمام الآخرين.

خلاصة ما أود قوله إن الإنسان مبتلى في هذه الحياة الدنيا لا محالة، ولكن التفافه –إن جاز التعبير- على هذا الابتلاء وعدم صدقه سيرديه المهالك، وبدون لجوئه إلى ربه سوف يضيع، وما تعلق بشيء أو استجداه إلا كان ما بعده فراغًا أشد ألمًا ومعاناةً، لأنه يرجو خلاصًا وهميًا، فعليه أن يسمو بنفسه ويرتقي بوعيه وأن يكون صادقًا مع نفسه وشجاعًا على نفسه، فطبيعة هذه الدنيا الزوال والفناء والألم، والمعاناة تظل تذكرنا كلما نسينا، لأن طبعنا النسيان، فكما قال ابن القيم: «إن في القلب شعث: لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، وعليه وحشة: لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته» وقال الشاعر لبيد : «ألا كل شي ما خلا الله باطلُ … وكل نعيم لا محالة زائلُ»، فهنيئًا لمن كانت سلوته فيما ينفعه في الدنيا والآخرة، وملء ما ينقضي من لذة عالم الشهادة بلذة عالم الغيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد