التحرر من قيود الفكر، واللغة، والغوص بكل تجربة سابقة، والاندفاع إلى المجهول، والفناء فيما قد يُضعف النفس دون غرور، ولكن بُغية المعرفة، هو ما يجعل الإنسان منا ذا تجربة تستحق المتابعة، ويُستهدي بها. النفس البشرية قادرة على شق طريقها المُتفرد نحو بناء شخصية مليئة بالتعقيدات، والمعرفة بكافة الوسائل المتاحة لها، أو على الرغم من ضعف إمكاناتها الخارجية، والتي ندرك – إن دققنا في قدرة عقلنا – أن ضعفها هو وسيلة جديدة ملهمة للإنسان في تجربته.. تخيل أن نقص الوسيلة هو وسيلة في حد ذاته نحو تجربة فريدة!

وأما عن طريقة التعبير فعندما ننظر في تاريخ الكتابة القديمة والمعاصرة فلسفةً وأدبًا ونجد عباقرة قد شق قلمهم طريقه إلى المجد كديستويڤسكي الذي تطرق إلى التركيبات المعقدة جدًا للنفس البشرية قبل نشأة علم النفس بشكله المعاصر حتى إن عالم النفس الشهير سيجموند فرويد قال عنه: في كل مرة أنتهي من كتابة بحث في حالة نفسية، أكتشف أن ديستويفسكي قد كتب عنها في رواياته، فسندرك أننا نضع ألف قيد على كل أبناء عصرنا من كل جيل. فمن الضروري أن نبدأ بالنظر من تلك الزاوية لكل من بدأ عالم الكتابة، بل كل مخضرم فيه.

وإذا أدركنا هذا المفهوم نعلم أن من السطحية أن نحكم على أي كاتب من لغته – وخاصة الكتاب العرب لاختلاف عاميتهم عن الفُصحى – أو مستوى تعليمه، أو ثقافته، وأننا بذلك نحكم على أنفسنا بالجهل بالكثير من زوايا الرؤية والكثير من الأجوبة والفهم لما يدور حولنا، ونجعل عقولنا أسيرة فِكر مَن عبَّر بطريقة أشبعت رغبة أعيننا في النظر للألفاظ القديمة، أو من ساقته إلينا البروباجندا، أو من سبق اسمه مجموعة من الألقاب غير آبهين بما يندثر نتيجة ذلك من معرفة، وخبرة، وتحرر.

هنا يجب علينا أن نُذكِّر بما هو واضح وهو الفرق بين العلوم التي تحتاج سنوات من الدراسة، والتقصي، وما إلى ذلك، وخبرات الحياة المُتعلِّقة بتعقيدات النفس البشرية، فمثلًا عندما نستفسر عن حكم شرعي، فيُؤخَذ به من علماء الدين الذين درسوا الفقه، والتوحيد، والتفسير، والحديث، واللغة، وما إلى ذلك من علوم الشريعة للوصول إلى حكم ثابت، أو عدة آراء محدودة، ولكن عندما تناقش أمر جهاد النفس، أو نزواتها، أو انحرافها، وتقويمها مستعينا بالكتاب، والسنة، ثم اكتفيت بالأخذ برأي أصحاب العلم، أو رأيك، أو ملاحظتك لنفوسهم أو لنفسك، فأنت أضعت مئات الزوايا المختلفة لرؤية ماهية الذنب والانحراف، وبالتالي أضعت مئات الاستنتاجات التي تُساعد في تقويم النفس، ولا يمس كلامك أغلب الطبقات التي همشتها، وتجاهلتها؛ لأن نفس العالِم وصراعاتها مختلفة عن أنفس غيره من طبقات المجتمع، ولكلٍ شخصيته المتفردة.

إن كانت تضيق نفس الإنسان عند التعامل مع كل من لا يُشبهه في مستوى التفكير، والتعليم، والقدرة التعبيرية، أو اللغوية، فمن الطبيعي أن يكون منغلقًا على نفسه، قليل الأصدقاء، متوترًا اجتماعيًا. فمن سيرغب في التعامل مع من يُقلل من شأنه؟

مميزات الشخصيات مختلفة، واعتبار مميزات الغير أنها لا ميزة، هو مجرد غطرسة، وأنانية بحتة لا تُرهق أحدًا كصاحبها، ولا تُنتِج غير مزيد من التوتر الاجتماعي الذي تفشى في مجتمعاتنا التي بعدت عن تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف من إقرار  بأهمية جميع عناصر المجتمع، وفئاته، ورفض للغرور، والنرجسية؛ إذ قال رب العزة: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم.

فالحاصل أن هناك حياة كاملة، وزاوية مختلفة من الرؤية وراء كل إنسان على قيد الحياة، وراء كل مستور ومفضوح، وكل طائع ومذنب، وكل تائب ومتمادٍ، وكل متعاطف وقاسٍ، وكل عالم وجاهل. كمٌّ هائل من الزوايا التي تجعل مداركنا تتسع، وكلامنا يصل للقلوب، وتعاملنا مع الناس سلسًا، وتجعلنا نخضع لله، متوكلين عليه، غير زاهين بأعمالنا، ولا مستبعدين الفتنة؛ ولذلك فالصفة الأشد تأثيرًا في العالِم الحقيقي والإنسان عمومًا كانت التواضع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد