إن الذي يقرأ شيئًا من حكايات جحا ونوادره، لا شك سوف يجد فيها ما ينطبق على جزء من واقعنا المعاصر، ذلك الجزء الذي تمثله جماعة الإخوان المسلمين، أو «إخوان جحا»، وإنني في هذه المقالة سوف أذكر شيئًا من نوادر جحا، والتي كانت تبعث على الدهشة والضحك، وسأذكر أيضًا شيئًا من نوادر إخوانه في عصرنا هذا، «الإخوان المسلمين»، وهي نوادر يتأثر بها الواقع العربي كله، فبسببها تتجرع المنطقة كؤوس الظلم والاستبداد.

أما جحا، فلقد صنع ساقية على شاطئ نهر، لتأخذ الماء من النهر، ولتعيد الماء مرة أخرى إلى النهر نفسه، فتعجب الناس لذلك، وقالوا، ويحك يا جحا، إن ساقيتك تأخذ الماء من النهر لترده مرة أخرى إلى نفس النهر! فقال جحا: يكفيني نَعيرُها! هو مستمتع بالضجيج المنبعث من ساقيته.

وأيضًا، مرَّ الناس على جحا يوما، فوجدوه يبحث عن شيء ما أمام داره، فسأله الناس، عن أي شيء تبحث يا جحا، فقال، أبحث عن نقود ضاعت مني، فسألوه، وأين ضاعت نقودك؟ فقال: وقعت في غرفتي، فتعجب الناس من جواب جحا، وقالوا، إذن لماذا لا تبحث عن نقودك في الغرفة؟ فقال: الغرفة مظلمة وتصعُب فيها الرؤية، وأنا أبحث أمام الدار حيث النور والضياء.

خرج جحا من المسجد فلم يجد حذاءه فوقف يصرخ أمام الناس ويحذرهم تحذيرًا شديدة اللهجة، ويقول: أقسم بالله إن لم تحضروا حذائي فسوف أفعل ما فعله أبي، فتجمع الناس حوله وسألوه: وماذا فعل أبوك يا جحا؟ فقال غاضبًا: ذهب إلى البيت حافيًا.

جاء رجل إلى جحا، وأخبره بأن حماره قد ضاع، ففرح جحا فرحًا شديدًا وسجد لله شكرًا، فقيل له: أتفرح وقد ضاع حمارك؟! فقال نعم، لأني لم أكن راكبًا عليه، وإلا ضِعتُ معه.

أكتفي بهذا القدر من نوادر جحا، لأسرِد شيئًا من نوادر إخوانه «الإخوان المسلمين». إن جماعة إخوان جحا التي تأسست عام 1928، ما زالت تعتقد اعتقادها القديم، الذي هو قائم على تكتيل الأعداد وتكثيرها، وهذا ما ذكره حسن البنا، وأيضًا قاله الشيخ الألباني، وذلك من أجل طوابير الانتخابات، وأيضًا من أجل التظاهر في الشوارع والميادين.

ولقد انبثق عن الإخوان جماعات أخرى بمسميات مختلفة، ولقد تغيرت الآليات السياسية في مصر أكثر من مرة في حين لم تتغير الجماعة مرة، 90 سنة وما تعب إخوان جحا من ذلك! 90 سنة وساقية الجماعة تأخذ الماء من النهر لترده إلى النهر نفسه، وما أثمرت في أرض الواقع شيئًا سوى الصياح والضجيج.

فلقد تحالفوا مع الملك فاروق وأخذوا منه المال والدعم، ثم غدروا به وخرجوا عليه، ولقد جاء ناصر لينقلبوا عليه وينقلب عليهم بعدما شاركوه في الإطاحة بالملك. ثم ها هم يقولون الآن: إن ما شهدته مصر في يوليو (تموز) 1952 لم يكن ثورة وإنما كان انقلابًا. نسوا أنهم كانوا يفتخرون بالمشاركة فيه. رحمك الله يا جحا.

أخرجهم السادات من السجون وتحالف معهم، ثم انقلبوا عليه، وقالوا خائن. ثم ندموا على قتله بعدما حل محله مبارك الذي عقد معهم الصفقات الفاسدة، ثم انقلبوا عليه أيضًا، وقالوا فاسد، وهم الذين أعطوه البيعة ابتداءً بقولهم في مجلس الشعب المصري:«وجدناك وطنيًّا فبايعناك، ووجدناك شريفًا فبايعناك، ووجدناك أمينًا فبايعناك»، ثم أثنوا عليه انتهاءً بقولهم «هو والدٌ لكل المصريين». رحمك الله يا جحا.

وهذه إشارة سريعة إلى واقعهم خارج مصر، وأن له أيضًا علاقة بواقعهم في مصر وقتئذ. فلقد تحالف الإخوان المسلمون مع الأمريكان والشيعة ضد صدام حسين ونظامه، وهذا ما ذكره زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري في كتاب الحصاد المر الطبعة الثانية، وقد أكده أيضًا عبد المنعم أبو الفتوح في سياق دفاعه عن جماعة الإخوان.

وهم أيضًا الذين كانوا يخرجون في مظاهرات في مصر وغيرها تندد بالغزو الأمريكي للعراق2003، وكانوا يطالبون بفتح باب الجهاد!

وهذه كانت معادلتهم في العراق، يعارضون صدام لأنه حارب إيران الشيعة، فيتحالفون مع الأمريكان والشيعة ضد صدام، ثم يخرجون في تظاهرات ضد الغزو الأمريكي للعراق! رحمك الله يا جحا ورحم أباك. إن جماعة الإخوان ورغم بلوغها 90 عامًا، زادت عن جحا في نوادره، بل إن جحا لم يكن متبجحًا، كما تتبجح الجماعة الآن مع المصريين، فالجماعة هي التي اختارت السيسي ليكون وزيرًا للدفاع.

ولقد قالوا في موضوع صحافي نشره موقع الحرية والعدالة بعنوان: السيسي وزير دفاع بنكهة الثورة، هو منا ونحن منه، وتكلموا عن دهاء مرسي في اختيار السيسي، وبعد أقل من عام قالوا، السيسي كافر وأمه يهودية ولقد خَدَعَنا وغدر بنا، ثم راحوا يسبون الشعب بتهمة وقوعه في الخداع من الإعلام، وهم الذين كانوا ضيوفًا دائمين على ذلك الإعلام الخادع، بل كانوا يثنون عليه! رحمك الله يا جحا.

ولننتبه إلى هذه، ففي الأيام الأخيرة من حكمهم، كان مرسي قد نقل أعمال مكتبه لقصر القبة، وأيضًا نقل مقر إقامته لمبنى دار الحرس الجمهوري، وأما جماعة الإخوان فقد قررت الاعتصام في رابعة، لماذا؟ هل ليكونوا قريبين من دار الحرس الجمهوري؟ لا، بل ليكونوا قريبين من قصر الاتحادية الذي لم يكن يوجد فيه أحد وقتئذ، فمرسي إما بقصر القبة أو بدار الحرس!

ومعلوم أن السيسي كان قد هددهم وطلب منهم ترك الحكم في 23 يونيو(حزيران) 2013، كما ورد ذلك في موضوع صحافي نشره موقع عربي21، في الثامن والعشرين من يونيو 2013، بعنوان تفاصيل الأيام الأخيرة بين مرسي والسيسي.

وهو أيضًا الذي نصحهم بالاعتصام في رابعة في 28 يونيو 2013! والعهدة على الدكتور محمد محسوب، الذي قال ذلك في موضوع صحافي نشره موقع جريدة «المصريون»، في الثامن من فبراير (شباط) 2018، بعنوان «مرسي وافق على التنازل عن صلاحياته، وهذا شرط السيسي». رحمك الله يا جحا ورحم أباك.

أثناء الاعتصام كنا نخرج من رابعة بنِيَّة اقتحام دار الحرس لإخراج مرسي، وذلك ما حدث مرتين، ولقد كنا نردد شعارات عنترية كلها التهديد والوعيد، ثم إذا اقتربنا من دار الحرس، سواء من ناحية شارع الطيران، أو من شارع صلاح سالم بعدما أُغْلِق شارع الطيران عقب وقوع مذبحة الحرس، يبادر قائلهم بقوله، ما جئنا للعنف، وإنما جئنا لإيصال رسالة إلى قيادات الجيش. رحمك الله يا جحا، ورحم أباك.

بعد فض رابعة رفع إخوان جحا راية الانتقام والقصاص للشهداء الذين سقطوا في رابعة، ولقد قال الشيخ محمد عبد المقصود في مقابلة تليفزيونية، إن معظم شهداء رابعة من السلفيين وليس من الإخوان، وفي الوقت نفسه فجماعة الإخوان تسبُّ السلفيين وتتهمهم بالخيانة. يذكرني ذلك بمن سخر من بشار الأسد قائلًا على لسانه: سنقاتل إسرائيل حتى آخر جندي لبناني. رحمك الله يا جحا.

بعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، ثم بعد فض رابعة ظهر اعتقاد الإخوان المسلمين الحقيقي، وهو معتقد اللا معتقد والسبب كما بيَّنَ أهل العلم، هو أن الجماعة كيان يضم أعضاء من كل الفِرَق والجماعات التي انقسمت عليها الأمة، وكل من انضم إلى الجماعة ينضم بمعتقده هو.

فمثلًا، إذا مات أحد الفنانين المصريين، بحثوا عن موقفه من رابعة ومن السيسي، فإن كان مؤيدًا للسيسي، لعنوه وأبدَوْا شماتتهم في موته، بل رأيناهم يسخرون منه كممثل أو مطرب، كقولهم، فلان كان مشخصاتيًا أو أرجوزًا تافهًا.. إلخ، ولو توفي فنان آخر وكان مؤيدًا لاعتصام رابعة، طلبوا له الرحمة والمغفرة مع الثناء على مشواره الفني. ولقد نسي الإخوان ما قالوه في عزاء البابا شنودة في 2012، وبخاصة ما قاله مرسي في الكاتدرائية، وما قاله سيد عسكر في مجلس الشعب، وهو كلام لا يُقال إلا في مسلم، ولقد تبرأ من كلامهم هذا أهلُ العلم، كما بَيَّنوا ما عليه الجماعة وأعضاؤها من جهل.

رحمك الله يا جحا ورحم أباك.

– نشر موقع عربي بوست تقريرًا أعده الصحافي الأمريكي ديفيد كيركباتريك، المدير السابق لمكتب صحيفة النيويورك تايمز بالقاهرة، وكان مما ورد فيه، أن جون كيري بعد جلسةٍ جَمعته بمرسي وبعض من كانوا حوله من مسئولين، ومستشارين، وقيادات إخوانية، خرج وهو يقول: هذا أغبى شخص قابلته طيلة حياتي، هذا لن ينجح، هؤلاء الرجال مجانين.

وأقول من خلال العقلية الإخوانية، ربما وصف مرسي ورجاله، المعارضين المصريين بأنهم عملاء للغرب. رحمك الله يا جحا، ورحم أباك.

وأخيرًا، هؤلاء من أهم الأسباب التي تبرر للأنظمة استبدادها وظلمها للشعوب العربية المخدوعة في هذا العته الفكري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر

المصادر

الحصاد المر الطبعة الثانية – أيمن الظواهري
حوار محمد مهدي عاكف - المصري اليوم
حوار د. محمد بديع. برنامج العاشرة مساء على فضائية دريم.
الكذب والتقية عند الإخوان. بقلم ثروت الخرباوي. مارس2015 العربية نت.
عرض التعليقات
تحميل المزيد