نعم فكل ما يصدر عنهم ما هو، إلا تعبير عن حبهم الجم للمسلمين الذي لطالما كان مكبوتاً حتى تفجرت أساريره بمجيء اللاجئين المسلمين ، فمن الأسلاك الشائكة إلى قرارات الاعتقال والسجن لمن يجتازها وحتى تغلغل في شرايين الصحافة ليزيح أخلاقياتها عنها ، وما كان فعل الصحفية المجرية بترالازلو في توزيع ركلاتها يميناً ويساراً لعرقلة اللاجئين وإيقاعهم أرضا أثناء محاولتهم الفرار من طوق أمني في روزكي في جنوبي المجر ، إلا تعبيراً لهذا الحب المغلف بحقوق الإنسان التي صدعوا رؤوسنا بها وهم ينادون ويدعون إليها حيث إن حقوق الإنسان ، ليست شعارات ينادى بها في المحافل، بل ممارسات تظهر على أرض الواقع.

وإن الناظر إلى التاريخ يرى بوضوح أسباب إغلاق المجر أبوابها في وجه اللاجئين من المسلمين ودعوة حكومتها بقبول المهاجرين من المسيحيين دون المسلمين وسن قوانين جديدة لعرقلة مرور اللاجئين الفارين من ويلات الحروب، وتصويت البرلمان المجري على قانون يجرم الهجرة غير الشرعية.

 
فهم لا زالوا يعيشون صدمة موقعة موهاكس التي أجهز فيها السلطان سليمان القانوني على الجيش الصليبي في المجر، فعندما ذهب مبعوث السلطان سليمان القانوني لأخذ الجزية من ملك المجر وزعيم أوروبا “فيلاد يسلاف الثاني” عندما كانت المجر هي حامية الصليبية في أوروبا حينها قام فيلاد بذبح رسول سليمان القانوني بإشارة من البابا في الفاتيكان، فخرج لهم السلطان سليمان من إسطنبول في (11 من رجب 932 هـ= 23 من إبريل 1526 م) على رأس جيشه، الذي كان مؤلفًا من نحو مائة ألف جندي، وثلاثمائة مدفع وثمانمائة سفينة، حتى بلغ “بلجراد”، ثم تمكن من عبور نهر الطونة بسهولة ويسر بفضل الجسور الكبيرة التي تم تشييدها.

وبعد أن افتتح الجيش العثماني عدة قلاع حربية على نهر الطونة وصل إلى “وادي موهاكس” بعد 128 يومًا من خروج الحملة، قاطعًا 1000 كيلو من السير، وهذا الوادي يقع الآن جنوبي بلاد المجر على مسافة 185 كم شمال غربي بلجراد، و170 كم جنوبي بودابست. وكان في انتظاره الجيش المجري البالغ نحو مائتي ألف جندي، من بينهم 38000 من الوحدات المساعدة التي جاءت من ألمانيا، ويقود هذه الجموع الجرارة الملك “لايوش الثاني”.

كانت مشكلة السلطان سليمان التكتيكية هي كثرة فرسان الرومان والمجر المقنعين بالحديد، فهؤلاء الفرسان لا سبيل لإصابتهم بالسهام أو الرصاص أو المبارزة، لتدرعهم الكامل.

هنا قام الصدر الأعظم إبراهيم باشا بإعداد الخطة التي تتضمن انسحاب مقدمة العثمانيين وتراجعها حتى يندفع المجريون نحوهم فتحصدهم المدافع والقناصة العثمانيين.

 

 
وفي صباح يوم اللقاء الموافق (21 من ذي القعدة 932 هـ= 29 من أغسطس 1526 م) دخل السلطان سليمان بين صفوف الجند بعد صلاة الفجر، وخطب فيهم خطبة حماسية بليغة، وحثهم على الصبر والثبات، ثم دخل بين صفوف فيلق الانكشارية وألقى فيهم كلمة حماسية استنهضت الهمم، وشحذت العزائم، وكان مما قاله لهم: “إن روح رسول الله صلى الله عليه وسلم تنظر إليكم”؛ فلم يتمالك الجند دموعهم التي انهمرت تأثرًا مما قاله السلطان.
وفي وقت العصر هجم المجريون على الجيش العثماني الذي اصطف على ثلاثة صفوف، وكان السلطان ومعه إبراهيم باشا الفرنجي الصدر الأعظم ومعهم مدافعهم الجبارة، وجنودهم من الإنكشاريين في الصف الثالث، فلما هجم فرسان المجر وكانوا مشهورين بالبسالة والإقدام أمر إبراهيم صفوفه الأولى بالتقهقر حتى يندفع المجريون إلى الداخل، حتى إذا وصلوا قريبًا من المدافع وأصبحوا وجها لوجه أمام المدافع العثمانية مباشرة على حين غرة.

 

 

أمر إبراهيم بإطلاق نيرانها عليهم فحصدتهم حصدًا، واستمرت الحرب ساعة ونصف الساعة في نهايتها أصبح الجيش المجري في ذمة التاريخ، وأراد الجيش الأوروبى الاستسلام فكان قرار سليمان الذي لن تنساه أوروبا له حتى الآن وتذكره بكل حقد (لا أسرى) وأخذ الجنود العثمانيون يناولون من يريد الأسر من الأوروبيين سلاحه ليقاتل أو يذبح حيا، وانقضَّت (القوة الضاربة ) للأوربيين وهي قوات الفرسان المقنعة بالكامل، ومعها 60 ألفاً آخرين من الفرسان الخفيفة بعد أن غرق معظم جنودهم في مستنقعات وادي موهاكس، وقتل فيلاد والأساقفة السبعة الذين يمثلون المسيحية ، وجميع القادة الكبار، ووقع في الأسر خمسة وعشرون ألفًا كانوا جرحى، في حين كانت خسائر العثمانيين ألف وخمسمائة شهيدًا، وبضعة آلاف من الجرحى.

أوروبا، لم تنس هذه المعركة التي قضي فيها على استقلال المجر بعد ضياع جيشها على هذه الصورة في هزيمة مروعة فادخرتها لهذه الأيام لتخرجها في وجه المستضعفين الفارين من بلدانهم طلباً للأمن والأمان على شكل أسلاك شائكة وتصويتات وقرارات وعرقلات صحفية تعبيراً لحبهم الأزلي، ولكن من نوع آخر .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد