في مدينة بودابست عاصمة المجر عام 1956 احتشد العمال والطلاب على ضفاف نهر دانوب مطالبين بتنحي الحكومة الشيوعية، وخروج بلادهم من عباءة السوفيت، فاستعانت الحكومة بالاتحاد السوفيتي، الذي أرسل الجيش الأحمر واجتاح العاصمة بالدبابات؛ الأمر الذي أشعل فتيل الثورة المسلحة من قبل المتظاهرين فاتجهوا إلى مستودعات السلاح في البلاد وسلحوا بعضهم البعض، وكان الكثير منهم يحمل السلاح لأول مرة في حياته.

لم يطلقوا رصاصة واحدة يوما، ولم يقتلوا شخص قط، فقط آمنوا بالحرية، وحقهم في التعبير عن الرأي وطرد الروس من بلادهم مهما كلف الأمر من أرواح. اصطفوا حول المباني يطلقون النار بعشوائية نحو كل ما هو روسي، خائفين من فشل الثورة وانتقام السلطة الوحشي منهم، قلقين على مستقبل بلادهم المجهول. لم يستغرق الأمر الكثير من الوقت فقد أظهر المجريون شجاعة كبيرة في حرب الشوارع وكلفوا الجيش السوفيتي خسائر كبيرة، استخدموا أيضًا مجلس الأمن في الأمم المتحدة في توضيح قضيتهم، واستقطاب دول محايدة للدفاع عن قضيتهم المشروعة، وبالفعل نجح الثوار المسلحين في طرد السوفييت من العاصمة، وأجبروهم على وقف إطلاق النار في الشوارع وطالبوا السوفيت بعدم التدخل في الحياة السياسية في البلاد، الأمر الذي أتاح فرصة الحلم للشعب المجري بمستقبل أفضل لبلادهم، ونزلوا في الشوارع للاحتفال بنجاح ثورتهم.

لم يدركوا أن هذه الفرحة مصيرها الهلاك؛ فقد خرق السوفيت الاتفاق بعد أسابيع قليلة، ودخلوا العاصمة مرة أخرى وأبادوا كل ما له علاقة بثورتهم، كأنها لم تكن، ثم منعوا الحديث عنها في الصحف والراديو. أرادوا محو ذاكرة التمرد. لم يتدخل المجتمع الدولي لإدانة السوفيت ولا حتى لمحاولة إيقافهم خوفا من الدخول في صدام مع قوة نووية، يمكنهم بالكاد الصمود أمامهم في الحرب الباردة من دون أن تشعل حربًا عالمية ثالثة. تناسى العالم ضحايا الثورة، ولكن لم ينس الشعب المجري الضحايا ولا الأمل في العيش بحرية وظلت الأسر تتحدث عن تلك الثورة داخل البيوت بين أفرادها، لم يكونوا مدركين حتى متى ستتيح لهم الفرصة مرة أخرى في النزوح إلى الشوارع.

تذكرت تلك الأحداث في سبتمبر (أيلول) الماضي، عندما نزل المصريين ملبين دعوة محمد علي بالثورة على النظام المصري حين امتلأت الميادين بالمحتجين، كانوا في انتظار رؤية السيسي يقف في مقر الأمم المتحدة دون دعم دولي له في مواجهة الثوار، ولكن مع الأسف اندثرت كل الأحلام بعد ظهور السيسي وحليفه دونالد ترامب يدعم شرعية بقائه في السلطة، مشيدًا بجهود مصر والتعاون المصري الأمريكي في إدارة الملف الليبي، ولكون الجيش المصري هو الحليف الباقي للولايات المتحدة في مواجهة الإرهاب في الشرق الأوسط. وفي الأيام التي تلت تلك التصريحات ألقي القبض على 4 آلاف متظاهر في مصر، وتم توجيه التهم لهم. وجه النظام الاعلام الحكومي لاستنكار وجود معارضة أو حراك شعبي في الشارع أو وجود معتقلين سياسيين أيضًا، أرادوا محوهم من الذاكرة كما فعل السوفيت، رأينا براعة النظام المصري في خلط الأوراق أمام الحكومات الغربية بالتهديد بفتح الأبواب للمهاجرين لأوروبا أو تصدير الارهاب للعالم من خلال ليبيا إن لم تساعده القوى العظمى في حربه على الإرهاب، وأن بقاءه في السلطة هو بلا شك أفضل سبيل لتأمين الحدود الأوروبية، وقبضته الأمنية خير سبيل لمكافحة الارهاب مضربًا بحقوق الإنسان عرض الحائط في الكثير من المؤتمرات الدولية، وكالعادة لا أحد من الحكومات الغربية اختار الصدام مع الرئيس المصري خشية إحداث أي خلل في التعامل مع تلك الملفات الحساسة.

حاضر مصر يتقاطع مع ماضي المجر، فالشعب المجري لم يحظ بدعم دولي في قضيته ولم تتدخل أي من الدول العظمي لإيقاف حمام الدماء، بل اكتفوا بالصمت تمامًا كما يفعل الرئيس الأمريكي حليف الجيش المصري الذي يراهن على مصلحته في استمرار النظام المصري في الحكم مهما كلف الأمر.

أرى أن من الصعب الحديث عن الأمل في هذه الظروف أو انتظار أي دعم من الحكومات الغربية للوقوف بجوار الشعب المصري في مواجهته ضد الدكتاتور سواء كانت هذه المقاومة سلمية كالتظاهر أو بفضح النظام وإحراجه من خلال الصحافة العالمية، أو حتى وجود مساحة ولو كانت ضيقة بممارسة العمل السياسي بشكل قانوني دون إلقاء المعارضين في السجون وقتلهم إما بحالات الإعدام المسيسة أو فقط عدم تأمين الرعاية الصحية أو الظروف الأدمية للعيش داخل السجون وتركهم يموتون ببطء جراء الإهمال، ولكن أستطيع أن أخبركم فقط بأن الحكومة السوفيتية سقطت وقمع الشرطة السرية اختفى وانهار الاتحاد السوفيتي من عرينه المحصن في موسكو وجميع عواصم جمهوريته دون استثناء، بالرغم من وجود دباباته في الشوارع وضخامة حجم جيشه وعتاده، وأيضًا بالرغم من فتح النار في وجة الثوار السلميين داخل الدول السوفيتية وخارجها في ألمانيا وإستونيا وغيرها في شرق أوروبا.

يثبت التاريخ أن حكومة الكرملين بنت نظامًا سياسيًا عتيدًا، يصعب إضعافه، لكنه قد انهار في لحظات رغم قوته، مثل نظام مبارك وبن علي وغيرهم؛ النظام السياسي المبني على المصالح بين مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية المنفرجين بالحكم كثيري الخلاف فيما بينها، ومليء بالصراعات الداخلية سعى في السلطة فالشرطة السرية تبدأ في قمع الشعب، ثم تقمع أعضاءها وتلاحق الضباط والمسؤولين وتراقبهم لأنها لا تثق بأحد، وبالتالي تخسر الكثير من نقاط قوتها التي قامت عليها بالأصل، ومن ثم يصبح الحاكم أكثر بطشًا، ويكمم حتى الأفواه الموجودة في قصره، فيصبح هو المسجون وليس الناس، ينقطع عن العالم الخارجي، أو ما يسمى بوحدة السلطة، ثم ينهار نظامه فجأة، وأرى موت عبد الناصر مسمومًا خير دليل على ذلك، إن صحت هذه الرواية، فالنظام السياسي العتيد الذي يملأ الشوارع بالمخبرين، ويدعي أن الجميع يقف في صفه لم يستطيع إيجاد طباخ يعد له الطعام دون قتله، أرى أن سلاحنا الوحيد هو الأمل في اصطياد هذه الفرصة التي يخطئ فيها النظام المصري خطأ ما، أو يبطش النظام بالجميع، بما أنه لا يثق بأحد، فيعاديه الجميع وتكون هذه اللحظة هي الأخيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد