1
مع دخول مصر مرة أخرى إلى زمن الانقلابات العسكرية في الثالث من يوليو عام 2013، وكما هو الحال في أوقات الحكم العسكري في كل زمان ومكان، شهدت البلاد تراجعًا خطيرًا على كافة الأصعدة، ولاسيما في مجال حقوق الإنسان، ولعل أبرز ما يوضح هذا التراجع هو هذا الكم الهائل من المعتقلين، سواء تم اعتقالهم بدون أية تهمة، أو حتى بتهم سيريالية مطاطة مشوهة المعالم.

وفي ظل استمرار الأوضاع المأساوية للمعتقلين دون محاكمة، أو بمحاكمات هزلية، وبعد ما حدث مع عبد الله الشامي، الصحفي المصري الذي أعلن إضرابًا عن الطعام استمر 130 يومًا قامت النيابة بعدها بالإفراج عنه، لم يجد البعض الآخر بدًا من أن يزيدوا معاناة جديدة فوق معاناتهم ويخوضوا التجربة نفسها، علَّ ذلك يساهم في الضغط على سجانيهم، ووضع قضاياهم العادلة في دائرة الضوء كما حدث مع عبد الله.

 

2
أنهى تناول الطعام مع أسرته في سلام، ثم شعر بالتخمة فدخل إلى غرفته ليستوي على فراشه. يحضر جهاز اللاب توب ويقوم بتشغيله في أثناء استوائه، يشعر بالحرارة في غرفته فيقوم بتشغيل جهاز التكييف، ثم يقوم بتوصيل كابل الإنترنت إلى جهازه ويقوم بفتح صفحته على الفيس بوك، فيما تدخل والدته غرفته تحمل كوبًا من العصير المثلج يقوم بتناوله وهو يتصفح أخبار المعتقلين وصورهم وحكاياهم على موقع التواصل الاجتماعي الشهير.

يذهب إلى صفحته الشخصية بنية تجديد الحالة بها، يقوم بسب ولعن الظلم والقهر الذي يحدث للمعتقلين، ثم ينتهي بأن الحل لا يكمن إلا في أن يعلن جميع المعتقلين إضرابًا مفتوحًا عن الطعام حتى يحصلوا على حقوقهم، ينشر ذلك على صفحته ويدعو أصدقاءه إلى تبني الفكرة نفسها حتى يصل صوتهم إلى المعتقلين المقهورين أصلاً، تغلبه التخمة فيقوم بغلق جهازه والخلود للنوم وهو راضٍ عن نفسه.

 

3
آلاء السيد محمد، وأسماء حمدي عبد الستار، وهنادي أحمد محمود، وآلاء وسارة محمد عبد العال، وكريمة الصيرفي، وغيرهن .. طالبات معتقلات في سجن القناطر تم الاعتداء عليهن، بحسب المنظمة العربية لحقوق الإنسان، في العاشر من يونيو الماضي، حيث قامت السجَّانات وأمناء الشرطة والمحكوم عليهن في قضايا جنائية (الجنائيات) بالاعتداء عليهن بالضرب المبرح بالعصى الخشبية والحديدية والأيدي والأرجل في بطونهن، مما أسفر عن إصابتهن بجروح مختلفة، ثم ترحيل بعضهن إلى سجون مختلفة دون إخطار أهلهن، وحتى إن مأمور السجن شاركهم في الاعتداء الذي تعدى الإهانة ليصل إلى أخذ الطعام والثياب والأحذية، واقتياد احداهن إلى غرفة التأديب حيث تم ضربها واهانتها من قبل السجَّانات، حتى خرجت من الغرفة وركبت سيارة الترحيلات دون حذاء أو حجاب.

كريمة الصيرفي – من تلك المجموعة- قررت أن تدخل في شجاعة إضرابًا مفتوحًا عن الطعام استمر 74 يومًا، قامت بعده النيابة بإخلاء سبيلها بضمان محل الإقامة، فيما ظلت باقي المعتقلات الصغيرات الهزيلات وسط كل هذا البؤس، ليسمعن ممن هم في مأمن أنه لا سبيل، رغم كل هذا، سوى بالذهاب إلى الموت.

 

4
أماني حسن عبده صالح، شابة ثلاثينية، وأم لطفلين. تم اعتقالها يوم 16 أغسطس من العام الماضي. كانت تستقل سيارة مع أخيها فقامت قوات الأمن بإيقافهم وتفتيش السيارة، ووجد بها صورة للرئيس السابق محمد مرسي كانت كافية ليتم اقتيادهم إلى قسم شرطة حدائق القبة والاعتداء عليهما بالضرب المبرح.

 

وبحسب المنظمة العربية لحقوق الإنسان والمرصد العربي للحقوق والحريات، فإن أماني تعرضت للركل بالقدم في البطن والقدم والضرب بالهراوات على الأكتاف والظهر حتى فقدت الوعي، لتستفيق على تحقيق مع أشخاص يهددونها بالاغتصاب ويضربونها ويصفعونها في أماكن متفرقة من جسدها، ثم يجبرونها على التوقيع على محضر يفيد بحيازتها بندقية آلية وخزائن ذخيرة حية في حقيبة يد حريمي!

 

لم يثبت وكيل النيابة أقوال أماني بتعرضها للتعذيب وإجبارها على التوقيع على المحضر، وأمر بحبسها احتياطيًّا على ذمة التحقيقات، إلا أن شكواها قوبلت بالمزيد والمزيد من الإيذاء البدني والنفسي، واستمر ضربها على رأسها ولكمها في مناطق مختلفة من جسدها والتحرش بها وتهديدها بالاغتصاب.

 

ونتيجة لاستمرار التعذيب تدهورت حالتها الصحية بشدة وأصبحت غير قادرة على تحريك قدمها أو يدها بشكل طبيعي، وتبين حدوث شلل رباعي غير كامل نتيجة انزلاق غضروفي متعدد بالفقرات العنقية والقطنية، ورغم ذلك استمر حبسها احتياطيًّا دون إبداء أسباب، حتى ساءت حالتها تمامًا وتم عرضها مرة أخرى بعد معاناة شديدة على أخصائيين بمستشفى القصر العيني الذين أكدوا حدوث شلل في الساقين والذراعين وآلام شديدة بالرقبة وأسفل الظهر، إلا أن ذلك لم يمنع مأمور القسم بإعادتها إلى الحجز بالقسم مرة أخرى رغم احتياجها للعناية الطبية المباشرة في المستشفى طبقـًا للتقرير الرسمي للحالة. تم الحكم على أماني في تلك القضية الكارتونية بالمؤبد، ولكن أفرج عنها بعفو صحي بعد عذاب شديد انتهى بإصابتها بالشلل!

 

بعضهم لم يذكر معاناة أماني وقت أن كانت بالاعتقال، ولم يحرك لها ساكنـًا. تركناها جميعًا حتى أصيبت بالشلل! ربما وجد بعضهم أنه كان لزامًا عليها وسط كل هذا الدخول في معركة الأمعاء الخاوية لنيل حقوقها. متى نبت كل هذا البؤس في وادينا؟

 

5
الحرية للمعتقل الذي لم يضرب عن الطعام ..

 

هذا ليس تقليلاً من نضال المضربين عن الطعام، هم يمتلكون كل الشجاعة بلا شك في أن يساووا حياتهم بحريتهم، هم وجدوا مجتمعًا عاجزًا عن مساندتهم فقرروا إثقال أنفسهم بمعاناة جديدة بجانب ما يعانوه أصلاً، إنهم تجسيد حي دائم لعجز مقيت.

 

الحرية للمعتقل الذي لم يضرب عن الطعام ..

ذلك أن المعتقل يعاني من الأصل، حياته تحولت بالفعل إلى جحيم يومي، يعيش بعيدًا عن أهله وأحبائه في ظروف قاسية متعبة، لا لشيء إلا لأن أحدهم قرر ذلك في لحظة عبث سرمدية، لا أدري كيف يمكننا – نحن الآمنون وسط أهلينا – أن نصدِّر لهم عجزنا لنطلب منهم أن يثقلوا كاهلهم أكثر، وأن يسيروا إلى الموت هكذا مطمئنين!.

ليكن هذا خيارهم هم، هم أصحاب الحق الوحيد في الاختيار، ولكن كيف نواجه أنفسنا وهذا الخيار هو خيارنا نحن أيضًا؟!

 

الحرية لهؤلاء المنسيين خلف القضبان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد