كان الإمام الحسين رضي الله عنه وسطيًا في مذهبه السياسي بين الخوارج ومن يسمون اليوم بالمداخلة.

فالخوارج هم من خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالسلاح وحكموا بكفر علي ومعاوية والزبير وطلحة وعائشة رضي الله عنهم جميعًا.

والخوارج يكفرون الإمام ويخرجون عليه بالسلاح ويستحلون أموال المسلمين ودماءهم. وهم يكفرون مرتكب الكبيرة ويرون أنه خالد في النار.

والمداخلة هم طائفة لا يرون في السياسة إلا السمع والطاعة للإمام سواء وصل للإمامة ببيعة شرعية أو بالتغلب وهم يرون حرمة الخروج على الإمام ويعتبرونه كبيرة من الكبائر ولكن لو تغلب على الإمام الشرعي متغلب بغير وجه حق وبلا بيعة شرعية فهم يرون السمع والطاعة للمتغلب وإن أراد الإمام الشرعي التصدي لمن تغلب عليه فهو من الخوارج.

يعني هؤلاء المداخلة مع من غلب ويتمسكون بأحاديث السمع والطاعة وإن جلد ظهرك وأخذ مالك. ورغم أن أحاديث الطاعة ثابتة إلا أن زيادة وإن جلد ظهرك وأخذ مالك ضعيفة.

خرج الحسين رضوان الله عليه فدحض حجج الخواوج والمداخلة.

دحض حجج الخوارج لأنه لم يُكَفَّر يزيد ولا من معه ودحض حجج المداخلة بعدم قبوله للاستبداد والتغلب.

فكر الخوارج ضال بتكفيرهم عموم الأمة ولقد تسببوا بشططهم وتطرفهم في حروب كثيرة قضت عليهم بصورة شبه تامة وشتت شملهم وانتهوا من تاريخ الأمة الإسلامية ولم يبق منهم أحد اليوم إلا في عُمَان ومناطق من الجزائر وإن كان قد حدث تطور كبير في أفكارهم.

ولكن فكرهم التكفيري مازال موجودا ويظهر أحيانا كرد على شدة الاستبداد وتنكيل الحكام برعيتهم كما حدث في مصر في سجون عبدالناصر حيث نكل بالإخوان وحبسهم وفي سجونه وُلِد فكر التكفير، فلما مات عبدالناصر وتولى السادات وبدأ الإفراج عن المعتقلين خرج من تبنى نهج التكفير محتفطا بفكره وكان من أبرز هؤلاء شكري مصطفى الذي اختطفت جماعته الشيخ الذهبي وزير الأوقاف ثم قاموا بقتله ولم يروا كفر الحكام فقط بل هم يُكَفِّرون جموع المسلمين ويحرمون أموال الدولة ووظائفها ولا يصلون إلا في مساجد تتبعهم وخلف أئمة منهم فقط.

ولكن كما اندثر الخوارج الأوائل اندثر –تقريبا– هؤلاء التكفيريون في صدامهم مع الدولة. وإن كانت الدولة كثيرًا ما تستخدم لفظة التكفيريين للتنكيل ببعض معارضيها من الإسلاميين.

أما المداخلة ففكرهم ينمو وينتشر بدعم سعودي ضخم فنشأتهم في العصر الحديث كانت في السعودية على يد بعض العلماء المقربين من آل سعود وهؤلاء العلماء يستغلون علمهم لاستخراج نصوص جزئية وتعميمها، ورغم أن الطاعة حق للإمام إلا أنه يقابلها أو يسبقها حقوق للأمة أولها حقها في اختيار الإمام وبيعته بلا إكراه ثم أن يؤدي هذا الإمام المبايع الأمانة وأن يحكم بالعدل. إلا أن المداخلة لا يرون إلا حق الإمام في الطاعة التامة وإن كان جائرًا ظالمًا سفاكًا للدماء وحتى وإن زنى أو شرب الخمر علانية كل يوم وعلى شاشات التلفزيون.

وهم يتركون العمل بآية ويتمسكون بالآية التي تليها! تأمل قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)»، ففي الآية الأولى الخطاب لولاة الأمور وفي الآية الثانية الخطاب موجه للأمة بالطاعة إن عمل ولاة الأمور بمقتضى الآية الأولى، بل وحتى لو أدى الولاة الحقوق التي عليهم فستظل طاعتهم محدودة بطاعة الله وطاعة الرسول لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة  في المعروف» وأيضا في الآية تبيان أنه يمكن التنازع بين الأمة وولاة أمورها ويكون الفيصل في النزاع حينئذ هو كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

والمداخلة لا يرون النصيحة للحكام ولا أمرهم بالمعروف ولا نهيهم عن المنكر إلا بشروط مستحيلة مثل أن يدخل من يرى منكر الإمام عليه و يختلي به و يتحدث إليه بأدب ولا يغلظ له القول ولم يقولوا كيفية الدخول عليهم وحولهم حراسهم يمنعون الناس ليس من مجرد الاقتراب من قصورهم بل من مجرد التفكير في ذلك.

وهم يرون من ينصح الأمير علنا سواء بالقول أو النشر من الخوارج ويطلقون عليه خروج بالقول. 1

أما الطاعة لولاة الأمر فذلك أمر لا خلاف عليه ليس في الإسلام فقط بل في شرائع كافة الأمم وبها تنتظم أحوال الدول.

ولكن الطاعة لها شروط أن تكون لولي أمر شرعي تولى الأمر بشروط الشريعة وبيعة الأمة بلا جبر ولا إكراه ولذا خرج الحسين رضوان الله عليه على يزيد لأن بيعته لم تكن اختيارية بل بالجبر والتهديد. قام يزيد بن المقنع العذري فقال: هذا أمير المؤمنين، وأشار إلى معاوية، فإن هلك فهذا، وأشار إلى يزيد، ومن أبى فهذا، وأشار إلى سيفه:
فقال معاوية: اجلس فأنت سيد الخطباء. 2

لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعة الأمراء بلا خلاف ولكن ليست طاعة مطلقة وإنما محددة بضوابط الشرط ولذا قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة في المعروف»، وقال خليفته أبو بكر الصديق: أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. صحيح البداية والنهاية.

ولم تكن للعرب دولة قبل الإسلام وإنما كانوا قبائل لا يخضعون لسلطة فكان العربي يأنف أن يطيع غيره ولذا كان تأكيد النبي على وجوب الطاعة ليصلح طبائع العرب لأن الطاعة أساس من أسس الدولة ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» صحيح البخاري.

وهذا كان فهم الحسين رضوان الله عليه لأحاديث السمع والطاعة فلم ير يزيد إمامًا شرعيًا واجب الطاعة كما وجده خالف الشورى وسنة الخلفاء الراشدين في البيعة فخرج عليه وكان محقًا.

وإذا كان ربنا تبارك وتعالى قد أوجب على العباد حقا له ثم ألزم نفسه بحق للعباد إن هم أدوا حق الله: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ –رضي الله عنه– قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ. قَالَ: فَقَالَ: يَا مُعَاذُ! أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ وما حقُّ العبادِ عَلَى الله؟ قَالَ قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللّهِ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً. وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً» قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ! أَفَلاَ أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لاَ تُبَشِّرْهُمْ. فَيَتَّكِلُوا».

فإذا كانت هناك حقوق للعباد على الله إن أدوا حق الله، أفلا يكون هناك حقوق للأمة في مواجهة ولاة الأمور متساوية ومتزامنة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!