لم ولن يرضى هؤلاء القبوريون والمذهبيون من الحسين إلا بأن يكون ذلك الكائن الذي لا يمت للبشرية بصلة، فهو الحي الذي لا يموت، ولا يموت إلا باختيار منه، والذي يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون، وهو الذي يشارك الخالق في أهم الصفات، فهو النافع، والضار، في حين إنه ليس له من صفات البشرية إلا الجسد الذي يظهر به أمام الناس، وإلا فهو إله في مسمى إمام، والحقيقة أن رفض صفة البشرية عن أنبياء الله وأوليائه، وممن يعتقد فهم عامة الناس بأنهم أولياء، صفة قديمة ابتدأت من قوم نوح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وإلى يومنا هذا، فكل الأمم بعد نوح تتعجب من بشرية الرسل ويرفضونها، بل إن مشركي قريش والأمم التي سبقتهم كانوا يستنكرون ويستنكفون أن يتبعوا بشرًا رسولًا، فلا يقتنعون بأنهم رسل الله حتى تكون المعاجز بين أيديهم كالكلام الناجز على ألسنتهم، أو بعبارة أخرى إن هؤلاء لا يقتنعون برسل الله حتى يكون لهم ما لله من قدرة، فكما إن الله عزوجل يقول لشي كن فيكون، فكذلك يرويدون من أنبياء الله أن يقولوا للشيء كن فيكون، وقد حكى الله عز وجل قول هؤلاء، فقال عز من قائل:[ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ۞ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا ۞ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ۞ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ۞ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: 90-94].

إن مثل هؤلاء لا يمكنهم أن يؤمنوا بالغيب، وإنما لديهم عالم الشهادة فقط، وليس لديهم ولا في إدراكهم إلا المحسوس الملموس، إنهم يريدون كائنا بين ظهرانيهم بشرًا كان أم حجرًا أو شجرًا تلمسه أيديهم يقول للشيء كن فيكون أو هكذا يتخيلون أو يتصورون، والحسين قادر عند هؤلاء على كل ما طالب به المشركون في هذه الآية، وهو وكذلك أصحابه وأهل بيته في خيال هؤلاء القبوريين قد حققوا كل المعاجز التي تدور أذهانهم، فهو عند هؤلاء لم يخسر المعركة هو أصحابه، وإنما مثلهم كمثل آلهة الرومان تخسر وتكسب الحروب بمحض مشيئتها، لحكمة تتناسب مع الأحداث القادمة، وبالرغم من أن الحسين سلام الله عليه قد دخل المعركة بين الاضطرار والجبر والتغرير على الحقيقة، لكنه عند هؤلاء القبوريون ليس الأمر كذلك، بل إنه سلام الله عليه قد دخل المعركة وهو على علم بما يبدأ بها ألفها، وبما ينتهي به ياؤها، وهو المتصرف في كل حركة تصدر من جيشه أو جيش الخصوم، كيف لا وهو المتصرف في ذرات الكون كله.. والحسين عند هؤلاء لا تتحكم به الظروف ولا المعطيات، [ فهو حسين علي بن طاووس وحسين الملالي والوعاظ، بل إن هذا الحسين الذي ترسمه ألسنة هؤلاء ليس سوى ممثل كبير أعدته السماء للمارسة دور الضحية لسيناريو هندست أدوارة سلفا، وعلى أنصاره أن يقيموا مجالس العزاء والبكاء على هذه التمثيلية بغية تحصيل الأجر والثواب] [1]

ولكن الحسين حسب الروايات الصحيحة، وبحسب ما تفرضه الطبيعة البشرية، خرج من المدينة ومن ثم إلى مكة ومن ثم إلى كربلاء، وفي كل خطوة من خطواته تتحكم به الظروف، وتزداد تحكما كلما تقدم نحو كربلاء، ومع تلك الخطوات كان الحسين سلام الله عليه يكتشف إنه يسير في نفق مظلم، وليس في نهاية ذلك النفق بصيص من نور، لذلك لجأ في مرحلة من مراحل رحلته إلى المفاوضات، وإلى إعلان استعداده لمقابلة يزيد لأجل البيعة، كما جاء ذلك من مفاوضاته مع عمر بن سعد، وكل ذلك لأجل أن لا تسفك قطرة دم واحدة لأمن أصحابه، ولا من أهل بيته، ولا حتى من أولئك الذين يتربصون به في كربلاء، فقد خير الحسين عمر بن سعد بين ثلاثة إما الرجوع إلى المكان الذي أقبل منه، أو أن يضع يده في يد يزيد فيرى فيه رأيه، وإما أن يسيروه إلى ثغر من الثغور فيكون رجلاً من أهله، ولكن عبيد الله بن زياد لعنه الله أبى عليه وطلب المناجزة، أو أن يستأسر هو وأهل بيته وأصحابة وينزلوا على حكمه، فعلم الحسين حينذاك إنه مخير بين أن يقتل ذليلًا بين يدي عبيد الله بن زياد أو أن يموت عزيزًا شاهرًا سيفه هو ومن صبر من أهل بيته وأصحابه، فأختار سلام الله عليه الأخرى.

الصورة الحقيقة لخروج الحسين سلام الله عليه؟

لما آل الأمر إلى يزيد بن معاوية طالب ولاته أن يأخذوا البيعة من الناس، وخاصة الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، و عبد الله بن الزبير، وابن أبي بكر، فأما عبد الله بن الزبير فهرب إلى مكة مكونًا له عصبة فيما بعد، دارت حولة ونصرته على ما يريد وأما ابنا عمر وأبي بكر فقد بايعا رضي الله عنهما ولكن الحسين سلام الله عليه وجد في نفسه شيئًا من مبايعة يزيد بن معاوية، فحاول أن يسلك طريقًا وسطًا بين غضب يزيد ورضاه، فلم يعلن صراحةً عن رفضه للبيعة عندما بعث إليه والي المدينة الوليد بن عتبه، وإنما قال للوليد: [أني أراك لا تقنع ببيعتي سرًا حتى أبايعه جهرًا، فيعرف ذلك الناس] ثم قال له: [تصبح وترى رأيك في ذلك] [2] فقد كان حريصًا أن لا يحدث فتنة في الأمة لا يدري ما عاقبتها، وقد تحققت السلامة للإمام الحسين في المدينة ومكة إذ إن الحسين سلام الله عليه لبث في مكة بعد الخروج من المدينة أكثر من أربعة أشهر دون أن يرى من واليها ما يكره، كما إننا نرى بالاستقراء التام إن يزيد لم يكن حريصًا على بيعة الحسين سلام الله عليه بدليل أنه لم يجبر ولاته على أخذ البعية منه، ولم يضيق على الحسين لا في المدينة ولا في مكة، ولكن أهل الكوفة أثاروا غضب يزيد تجاه الإمام الحسين سلام الله عليه، وفي الوقت ذاته أثاروا همة الحسين سلام الله عليه نحو الخلافة، فمن خلال تلك الكتب تصور الإمام الحسين إن الطريق سالكة وممهدة لأن تنال الأمة طريقا رشدًا، فلا شك أن الحسين يرى من نفسه كما تجمع على ذلك الأمة بأنه أحق بالأمر من يزيد، فسار الرجلان – يزيد والحسين – في طريق المجهول، وكلاهما يتمنى على الله الأماني.

لقد كان كلاً من الحسين ويزيد يدركان خطورة الخروج على السلطان، فلذلك نرى يزيد يكلف عددًا من الصحابة بأن يناصحوا الحسين سلام الله عليه بضرورة البيعة وعدم الخروج على السلطان، ومن أولئك الصحابة ابن عباس رضي الله عنهما، وكذلك كان الحسين يدرك خطورة هذا الخرروج، وهو بالطبع لم يكن في نيته الخروج على السلطان حتى جاءته كتب أهل الكوفة، فمثل الحسين لم تكن لتخفى عليه أحداث خروج بعض السفهة على عثمان بن عفان رضي الله عنه وما خلف ذلك من فتن، ولم يكن يخفى عليه دقائق الأمور التي جرت بين أبيه سلام الله عليه، ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، لذلك فقد كان موقف الحسين من يزيد بن معاوية موقف الوسط الذي يقع بين موقف عبد الله بن الزبير وموقف عبد الله بن عمر، وموقفه من موقف عبد الله بن عمر أقرب. ولو كان الحسين يدري أو يعلم بما يجري له جراء هذا الخروج له ولأهل بيته لما أقدم خطوة واحدة خارج المدينة، ولكان قد وضع بده على بد عبد الله بن عمر متجهان بقدم واحدة نحو يزيد بن معاوية.

وأما يزيد فلم يكن بتلك الحماقة التي تجعله يثير رعيته بتعمده لقتل ابن بنت نبيهم صلوات ربي وسلامه عليه، ولكن الحسين غرر به، وتورط يزيد بدمه، سواء أكان من قريب أم من بعيد، وقد صرحت بهذا التغرير أم سلمة رضي الله عنها عندما سمعت بمقتل الإمام الحسين سلام الله عليه فلعنت أهل العراق وقالت: [ قتلوه قتلهم الله، غروه وذلوه لعنهم الله] [3] ولم يسلم من هذا التغرير حتى مسلم بن عقيل الذي بعثه الحسين سلام الله عليه لاستكشاف أحوال أهل الكوفة، فكان الظاهر من أهل الكوفة أنهم مجموعون على بيعة الإمام الحسين سلام الله عليه، ولكنهم في الحقيقة لم يكونوا رجالاً، وإنما كانوا عبيداً للعصا، ويرهفون بما لا يعرفون، إضافة أن مسلم بن عقيل لم يكن بذلك الرجل الحازم، فهو عندما دخل الكوفة ابتداءً كان أهلها كلهم معه وكانوا تحت إمرته وكان بامكانه قتل الأمير الذي أتى بعد الأمير النعمان بن بشير إلا وهو عبيد الله بن زياد إذ إن هذا الأخير عندما دخل الكوفة لم يكن له من الأتباع إلا القليل، فكانت فرصةً سانحةً لمسلم بن عقيل أن يجهز على الأمير الجديد، وتخلوا الكوفة له ولأتباعه ولكنه لم يفعل، وهنا نقف في حيرة من موقف مسلم بن عقيل، فهل توقف عن قتل عبيد الله بن زياد وهو متمكن منه ورعًا، وأنه من أهل لا إله إلا الله، أم إن الأمر سوء تقدير من مسلم بن عقيل والذي جنا عواقبه هو والإمام الحسين وأصحابه وجيمع أهل بيته، المهم إنه بالاستقراء التام لتلك الحادثة يمكننا القول إن الحسين سلام الله عليه لم يكن موفقًا في اختيار مسلم بن عقيل لهذه المهمة. ولما علم الإمام الحسين بقتل مسلم بن عقيل همَّ بالرجوع، ولكن بنو عقيل وثبوا عليه وقالوا [والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم.] [4]

فنزل عند رأيهم وقد بدا للحسين أن الحال تغير كثيرًا، وانهم بهذه العدة ليس لهم قبل بالجيش الذي سوف يخرج عليهم من الكوفة، ولكن الحسين سلام الله عليه بالرغم من ضغط اخوة مسلم بن عقيل إلا إنه بقي مترددًا بين الرجوع والتقدم نحو الكوفة. وتبين الأمر جلياً للإمام عندما راى قطيع من جيش الكوفة قادماً نحوه محاصرًا ومحيطًا به وبأصحابه إحاطة السوار بالمعصم بقيادة الحر بن يزيد الرياحي، وقد حاول الحسين التفلت من هذا الحصار، ولكن الحر بن يزيد الرياحي أبى عليه وأخبره بأن الأمير عبيد الله بن زياد أمره [أمرنا إذا نحن لقيناك ألا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيدالله، فقال له الحسين: الموت أدنى إليك من ذلك] [5] فلما سمع الحسين هذا الكلام من الحر جمع أهل بيته، وأصحابه، وهمَّ بالرجوع ولكن الحر منعه، وأبى عليه إلا أن ينطلق بين يديه إلى عبيد الله بن زياد، وكان هذا الأمر أشد ما يكون مرارةً على الإمام الحسين رضي الله عنه، وبذلك يتحمل الحر بن يزيد الوزر الأكبر في تسليم الإمام الحسين وقيادته نحو مصيره المحتوم.

إننا لو تأملنا مسيرة الإمام الحسين رضي الله عنه بدأ من المدينة وإنتهاء بكربلاء لوجدنا بصمات الإجبار والإضطرار والتغرير واضحة في كل خطوة، اذ ليس من العقل أن يجابه سبعون مقاتلاً، إذا حسبنا أن كل هؤلاء السبعون مقاتلون – ليس من المعقول أن يواجه هؤلاء الألوف المؤلفة من المقاتلين، والذين لو شاؤوا أن يقضوا عليهم بلا سلاح لقضوا عليهم، ولكن الحسين كان مخيرا بين القتال، أو النزول على حكم ابن مرجانه، وهذا ما لا تقبله كرامة الرجال، فما بالك برجل كالحسين رضي الله عنه.

والحسين والائمة من أهل البيت سلام الله عليهم بشرٌ مما خلق يخضعون للشرع، ومن ثم للظروف والمعطيات، وهم يدركون أكثر من غيرهم خطورة الخروج على السلطان، فهذا هو الحسين نفسه يلتزم بالعهد الذي أُبرم بين الإمام الحسن ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم، وذلك حينما توفي الحسن سلام الله عليه، حث شيعة الكوفة الحسين سلام الله عليه لخلع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما فأبى عليهم، وبين لهم أن بينه وبين معاوية عقدًا وعهدًا لايحل له أن ينقضه حتى يخل بشروط ذلك العقد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، وذلك لقوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ] المائدة: 1. وهذا الإمام السجاد علي بن الحسين يبايع يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بعد موقعة الحرة، وقد حاول جاهدا الشيخ عباس القمي إخفاء هذه البيعة واعتبار إظهارها أمام العوام من الناس وخاصة الشيعة سوف يضعف إيمانهم بعقيدة الإمامة، وقد عاتب الشيخ القمي السيد محسن الأمين العاملي صاحب كتاب أعيان الشيعة عتابًا شديدًا لإظهاره هذه البيعة ونشرها له في كتابه المذكور [فجرى حوار بين المرحومين القمي والأمين، فقال المرحوم القمي مخاطبا المرحوم الأمين: لم ذكرت في كتاب أعيان الشيعة بيعة الإمام زين العابدين ليزيد بن معاوية، – وأضاف المرحوم القمي – لا يصلح ذكر هذه الأمور، وإن كانت ثابتة، لأنها تؤدي إلى ضعف عقائد الناس، وينبغي دائما أن تذكر الوقائع التي لا تتنافى مع عقيدة الناس] [6]

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد