ثم جاء قرار جوجل بسحب ترخيص الشركة الصينية هواوي باستخدام نظام تشغيل الأجهزة المحمولة «أندرويد»، ووقف خدماتها للأجهزة الحديثة من دخول متجر جوجل بلاي، مع حجب تحديثات أندرويد عن أجهزة هواوي الحديثة، عقب قرار الإدارة الأمريكية منع استخدام «معدات الاتصالات السلكية واللاسلكية التي تصنعها شركات أجنبية تشكل خطرًا على الأمن القومي». ولكن ما هو المحرك الحقيقي لكل ما يحدث؟

يصف ماركس الرأسماليين بعصابة من «الإخوة الأعداء» في معركة مستمرة ضد بعضهم البعض، يحاول كل منهم عرض سلعته بأسعار أقل من منافسه، ثم يكرر الرأسماليون الاستثمار في الإنتاج، مما يعني زيادة الاستثمار في الآلات والتقنية، أو ما أطلق عليه ماركس (العمل الميت)، وذلك على حساب المصدر الحقيقي لفائض القيمة وهو اليد العاملة (العمل الحي)، وبالتالي يميل معدل الربح للانخفاض، ومن ثم تُخلق حالة من الركود والأزمة.. وهكذا، وهذا هو الحال مع شركة مثل آبل

أما شركة هواوي فإن حصولها على التقنية اللازمة (العمل الميت) تزامن مع امتلاكها كثافة هائلة من اليد العاملة الزهيدة (العمل الحي)، حيث يتردد أن العاملين بشركة هوواي ينامون في مكاتبهم ومواقع عملهم ويعملون في ظروف شديدة الصعوبة، بالإضافة إلى ضعف قيمة العملة الصينية مقارنة بالدولار وهو ما يعطيها ميزة أخرى نسبية من حيث الأجور.

كل هذا جعل لها ميزة تنافسية ضخمة على حساب باقي الشركات المنافسة بهذا القطاع، واستثناها من حالة الركود الحالية نظرًا لإمكانية طرح هواتفها ومنتجاتها بأعلى جودة وبأسعار تنافسية لن تستطيع باقي الشركات التي لا تمتلك هذه الميزة النسبية (اليد العاملة الرخيصة) مجاراتها.

وبالتالي جاء دور العمود الثاني في خيمة الرأسمالية وهو علاقة الدولة والرأسماليين، فقد ارتبط النظام الرأسمالي بالدولة الحديثة منذ قيامها على أنقاض الإقطاع، حيث كانت الدولة دائمًا هي الحاضن في وقت النمو والحامي في وقت الأزمات، فدورها ليس فقط الضغط على الطبقة العاملة وظروف عملها، ولكن أيضًا حماية الرأسماليين وقت الأزمة، وليس ببعيد تأميم الإدارة الأمريكية لبنوك وحمايتها من الإفلاس إبان الأزمة المالية في 2008، فالدولة هي التعبير السياسي عن السيطرة الكاملة للرأسماليين على باقي الطبقات.

ومع نمو النظام الرأسمالي تتناقص عدد الوحدات المتنافسة في السوق وتزيد ظاهرة سيطرة مجموعة من الشركات الكبرى على صناعات بكاملها، وهي العملية التي أطلق عليها ماركس «تركيز وتمركز رأس المال»، مما يحدث تغير في علاقة الدولة برأس المال، حيث يصبح معنى سيطرة مجموعة من الشركات العملاقة على اقتصاد دولة ما أنه في حال تدهور أداء هذه المجموعة أو إفلاسها يشمل هذا تهديدًا لاقتصاد الدولة بكامله.

وهكذا يتعاظم أكثر وأكثر دور الدولة في تقديم الدعم لشركاتها العملاقة في مواجهة شركات الدول الأخرى حتى لو وصل الأمر للتهديد باستخدام القوة العسكرية المباشرة من أجل حماية مصالح برجوازية هذه الدولة، وهو بالضبط ما نراه اليوم في المواجهة بين أمريكا والصين.

وأخيرًا فإن كل هذا لا يهدم فقط أسطورة العرض والطلب ويد السوق الخفية، ولكن الأهم أنه يحطم الأسطورة التي تفيد بأن الرأسمالية هي الحافز والحامي للتقدم التكنولوجي، فالتنافس الأعمى بين (الرأسماليين/ الدول) يخلق دائمًا ظروفًا تهدد النظام بأكمله بالفوضى من ناحية، كما يهدد النمو التقني للبشرية بكاملها، كما نرى اليوم في الصراع الجاري حول تقنية الـ5G التي تحارب شركة هواوي الآن أيضًا بسبب السعي لتطويرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد