«الإنسان شيء يجب تجاوزه. أي أن الإنسان جسر وليس نهاية». فريديريك نيتشه.

نجد في الموسوعة الحرة ويكيبيديا التعريف التالي لمفهوم ما بعد الإنسانية:

ما بعد الإنسانية Transhumanism (يختصر أحيانًا بـ >H أو H+) عبارة عن حركة فكرية ودولية تدعم استخدام العلوم والتكنولوجيا الجدية لتعزيز القدرة الإنسانية العقلية والفيزيائية وقدرة تحمله وحتى إلغاء ما يعتبر غير مرغوب في معظم الأحيان مثل: الغباء، المعاناة، المرض، الشيخوخة وأخيرًا التخلص من الموت.

إن غاية هذه الحركة الفلسفية التبشير بميلاد الإنسان الجديد المعدل تكنولوجيًّا كبديل للإنسان الحالي الإنسان المفكر (Homo sapiens) الذي يعتبره البعض قد وصل إلى حدود تطوره ولم يعد قادرًا على مواكبة العصر الجديد الذي أصبح يقوم على التداخل بين الواقع الطبيعي والواقع الافتراضي لدرجة لم يعد بالإمكان التمييز بينهما. ذلك أن الإنسانية بدأت تنتقل تدريجيّا نحو الحياة الثانية التي تقوم على العيش في العالم الافتراضي، حيث من المتوقع أن تعاش الحياة الإنسانية بشكلها الجديد، بحيث يصبح الحديث عن الواقع الحقيقي ضرب من الخيال العلمي في عصر الحياة المعززة بالواقع المعزز.

فكل الأنشطة الإنسانية حتى أكثرها حميمية ستصيح مستقبلا تعاش في الواقع البديل وليس غريبا مستقبلا أن يحيا الإنسان كامل حياته دون أن يكون له أية علاقة بالواقع الحقيقي. لذلك كان لا بد من التفكير في الكائن الإنساني البديل القادر على معايشة هذه الحياة القادمة المحكومة بالفضاء الصوري لا الفضاء المادي الحقيقي. إن كل مناحي الحياة تتجه تدريجيّا نحو ذلك الفضاء البديل فلن تكون أنت وأصدقاؤك بحاجة للذهاب للمول مستقبلا بل سيأتيكم حيثما كنتم ويمكنكم الجولان به والقيام بكل ما كنتم تقومون به في المول الحقيقي دون مغادرتكم للمنزل. وكذلك الأمر مع المدرسة فالمدرس المجسم سيكون معك في البيت كأنك في مدرسة فعلية دون حاجة للذهاب للمدرسة المادية، وكذلك الأمر مع المستشفى حيث تكفي شريحة مزروعة في الجسم للقيام بدور الطبيب ومدك بوصفة دواء ستأتيك به فورا طائرة بدون طيار وأنت في مكانك. إن الإنسان المعدل هو الأكثر قدرة على ممارسة الحياة القادمة، ولذلك تبشر هذه الحركة الما بعد إنسانية بميلاده.

كتبت كاثيرين هيلز: منذ وقت ليس بالقصير سرت إشاعات عن أن عصر الإنسان قد سلم مقاليده إلى عصر ما بعد الإنسان. ليس الأمر أن الإنسان قد مات، ولكن الإنسان بوصفه مفهوما قد تطور درجة أو درجات. فالإنسان ليس نهاية الطريق، إذ يبزغ من خلفه الإنسان المعدل (Cyborg: cybernetic organism): الكائن الهجين المخلوق من تزاوج الكائن البيولوجي والآلية السايبرنيتيكية. وفي حين أنه من الممكن أن تنظر إلى الإنسان بوصفه ظاهرة طبيعية بلغت النضج بوصفها نوعا من خلال الانتقاء الطبيعي والتطور الجيني التلقائي، فإنه لا مكان لهذه الأوهام في الإنسان المعدل (Cyborg)، ذلك أنه كائن مركب منذ البداية: كائن تكنولوجي يجمع ثنائية الطبيعي واللا-طبيعي المولود والمصنوع. إنه الإنسان الذي سيمكن من «امتداد نهائي للصحة البشرية، والقضاء على المرض، والقضاء على المعاناة غير الضرورية، وزيادة القدرات الفكرية والجسدية والعاطفية للبشر». (نيك بوستروم. قيم ما بعد إنسانية. في مشاكل أخلاقية للقرن الواحد والعشرين).

إن مفهوم الإنسان المعدل (Cyborg) الذي نحته كل من العالمان الأمريكيان مانفريد كلينز وناتن كلين (Manfred Clynes، Nathan Kline) سنة 1960 والذي يشير إلى نظام اندماجي تفاعلي ما بين الصفات الطبيعية الحيوية والقدرات الاصطناعية التي توفرها التكنولوجيا الرقمية. يمثل تحولًا وميلادًا لكائن جديد بديلا عن الكائن الحالي ولعل التحولات التي تشهدها علوم النانوتكنولوجيا وعلوم الجينوم البشري والكيمياء الحيوية والمعلوماتية وعلوم الأعصاب والإدراك الواعي تمثل تحولًا مهمًّا في الوصول لتحقيق هذا الهدف.

هكذا تلتقي أكثر العلوم الأكثر تطورًا لبناء النموذج الجديد لإنسان المستقبل كبديل للإنسان الحالي الذي شارف تاريخه على الانتهاء ليبدأ عصر الإنسان المعدل (اCyborg).

ولكن هل الإنسان المعدل (Cyborg) هو تجاوز حقيقي للإنسان؟

إن الإنسان يبقي إنسانًا، ولكن يسمو على نفسه، من خلال تحقيق إمكانيات جديدة لطبيعته الإنسانية. (جوليان هكسلي. (1927). الدين بدون وحي) فمهما كانت الإضافات التكنولوجية للجسم البشري فإنها لن تغير من الطبيعة الطبيعية أو الطبيعة الثقافية للإنسان. فالإنسان ليس مجرد امتداد مادي ومجرد أداة من الأدوات أو شيء من الأشياء في عالم محكوم بالأدوات والأشياء والرغبة في امتلاكها وفي تشيئة كل أشكال الوجود بما في ذلك الوجود الإنساني نفسه بدعوى تطوير القدرات (وهي في الحقيقة متطورة ولكن لم نسيطر عليها بعد حيث أن ما نجهله عن قدرة الدماع والعقل أكثر بكثير مما نعلم) في حين أن الهدف الحقيقي مزيد من السيطرة والتحكم لخدمة رأس المال والحكومات العالمية والشركات العابرة للحدود.

يمثل مشروع الإنسان المعدل (Cyborg) مشروع السيطرة على الإرادة الإنسانية عبر آليات المراقبة المتطورة التي ستمكن كل قوى السلطة من السيطرة الكاملة على الحشود البشرية وتوجيهها كيفما تريد، وطبقًا لأهدافها المرسومة مسبقًا في الهيمنة النخبوية على العالم واستدامة الاستغلال للطبيعة والإنسان ومنع كل أشكال التمرد التي تطالب بالمساوة في الحقوق والإنصاف في العدالة وتوزيع الثروة. إن مشروع الإنسان المعدل أو البديل (Cyborg) هو مشروع التبعية الكاملة للإنسانية لنخب النهب الدولي التي تمتلك وحدها الإمكانات المادية للسيطرة على عصر الذكاء الاصطناعي القادم مما سيمكنها من تحويل بقية العالم عبر الإنسان الآلة هذا إلى سجن كبير يصبح فيه بقية البشر مجرد قطع غيار للنخب التي تبحث عن الخلود عبر الزرع الدائم للأعضاء ومجرد عبيد بالسخرة للمؤسسات الصناعية العابرة للحدود التي تنهب الثروات الطبيعة لتوفير حياة الرفاه للنخب الحاكمة والنافذة.

سيكون عالم الإنسان المعدل أو الهجين أو البديل عالم انعدام الإنسانية بشكل كامل، حيث ستتجلى كل مظاهر الوحشية عبر سياسات السيطرة والتحكم للنخب المهيمنة، ولذلك دعا مجموعة من العلماء ومن بينهم سيتفن هوكينج إلى ضرورة عدم التفكير في تحويل الإنسان عبر تقنية الذكاء الاصطناعي. يقول ستيفن هوكينج في كتابه: الأجوبة القصيرة على الأسئلة الجادة (Brief Answers to the Big Questions) ) في المستقبل يجوز أن يطور الذكاء الاصطناعي إرادته الخاصة المناقضة لإرادتنا. وأضاف قائلًا: إذا اختصرنا الكلام ظهور الذكاء الاصطناعي الخارق سيكون إما أفضل أو أسوأ حادث في تاريخ البشرية. في الحال مع الذكاء الاصطناعي ينبغي الخوف ليس من سوء النية وإنما من العمل عالي الجودة، فالذكاء الاصطناعي من هذا النوع سيبلغ أهدافه بشكل ممتاز لكنها ليس من الضرورة أن تطابق أهدفنا. مثلًا أنت بالعادة لا تجتاح عش النمل ولكن إذا احتجت إلى أن تبني محطة توليد الكهرباء في مكان ما فويل لعش النمل الواقع بالقرب من هذا المكان. دعونا لا نضع البشرية في مكانة النمل. ويوصل محذرًا بالقول: حين يظهر الناس الخارقون من هذا النوع ستظهر مشكلات لدى الناس العاديين لعدم قدرتهم على التنافس، لذا إما هم سينقرضون أو لن يحتاج إليهم أحد. سيحل محلهم جنس من المخلوقات الذين سيستمرون في تحسين أنفسهم.

يبدو أنه لا يوجد أفضل من الإنسان الحالي إلا الإنسان الحالي الذي عليه الارتقاء نحو إنسانيته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد