«في بوردو

وبرتابة مملة

 تصل حد الكآبة

…نتلو تراتيل الصباح

باستمرار، كل يوم».

في صباح مثل هذا…

كتعويذة جميلة، يمسح المطر الشتوي الغبار عنها لتشرق من جديد، وكـنوار الشمس حين يرسل أوراقه مع أول هبة ريح خفيفة، لتعانق الأفق البعيد؛ تولد الأيام من رحم مثيلاتها القديمة، وتشرق الشمس بعد ظلام بهيم، لتضوي جنبات الطريق المؤدية إلى قلبك!

وأنت؛ باصرار لم يسبق له مثيل، تعتزم استنشاق عبق الحياة منه، برئتيك الحزينة، وبنفس عميق، تدخله شهيقًا لا يضاهيه في القوة والشدة أي نفس آخر، ومع كل زفير؛ تطلق سراح كل المسجونين في خيالك الواسع، وتعفو بقلب مطمئن، عمن بقي من أحاسيسك الدفينة في الأعماق، للخروج إلى هذا العالم الواسع – مد البصر – بصفاء جلي! دون كدر ولا حساب، وبارتياح كبير.

كل يوم تقريبًا، أنظر إلى تلك الدائرة المشعة بنور الله، والتي تبتسم بمهل كل صباح، وتلهو مع بقايا نجوم الأمس حتى الزوال، وتبقى على لونها ذاك، ما أطالت البقاء، دون أن يلاحقها تغيير ما، والتي تزيل ثقل الليل عنا بأشعتها الدفيئة، وتحيي فينا الأمل حين تشرق!

فرصة سانحة وثمينة؛ تلك التي يقدمها لنا الصباح دون مقابل، لكتابة شيء ما، يكون معه في الإمكان، الإفصاح عن دواخلنا التي سكنتنا وسكتنا عنها طويلاً، فتكون – ربما – عبارة عن رسائل الوصال إلى الذين سرقهم منا الغياب!

رسائل يحملها ساعي البريد الذي لا يكل ولا يمل.

إلى كل الذين نحبهم دون أن يجمعنا بهم القدر!

الذين نلوح لهم دون أن نقصد الوداع، بل لنمسح الأفق الذي يفصل بيننا كي نراهم!

إلى كل الذين مرو من هنا ولم يصلوا، كطيف لم يسمع له حس!

إلى الغرباء، الذين يطوفون في الحياة، بغير وجهة!

إلى فقيد خطفه الزمن من يديه، وترك لوعت الفقد في ذويه مشتعلة!

إلى البؤساء/البسطاء، الذين يعيشون على الهامش، بسعادة كبيرة، دون انتظار أحد!

إلى الموتى، الذين كانوا هنا، وعبروا على قنطرة البرزخ إلى هناك، فرادى، ودون أثر!

إلى كل هؤلاء الذين ذكرناهم في الغياب عبثا، علهم يسمعون، نرسل في الصباحات الباكرة، قبل أن يستيقظ النهار، وقبل أن نودع الليل بحزن زائف، لا يصلح لشيء أبدًا، نصوصًا غير مفهومة، بحروف دون نقط ولا شكل، ولا قافية توزن عليها الكلمات لتستمر في التدفق، تستشكل  كثيرًا على نقاد الأدب، والتي لن تصل مجددًا!

وأنت تفكر في أبجديات بريدك، المختلفة والملائمة لكل هذا الوجع بمقاس واحد، لا يختلف كثيرًا،والذي لن يصل حتمًا، وتحمل في قلبك كل هذا الهم الثقيل! همهم هم أنفسهم؛ وليس همك أنت. لكن؛ ولأجلهم؛ كنت تقاسمهم نصفه، أو أنقص منه قليلًا، أو زد عليه وأبعثه للغياب الذي سيستلمه صدقًا، بصدر رحب، أكثر من رحابة صدرك الضيقة، التي لم تعد تتحمل شيئًا.

وأنت المكلوم، تفعل كل هذا، لا تنسى أن تستقبل ببسمة أمل، وجوه المارين ليشعروا بروعة اللحظة! واحرص ألا يطلعوا على ما في قلبك، فللصباح طقوس لا يجب أن يعكر صفوها أي أحد، كيفما كان، حتى ولو كان أنت! ولو كان في الخيال!

الصباح مزهوًا بنسيمه الرقيق، يقف في استقبال المستيقظين من سبات الليل الطويل، كما يستقبل الساهرين في أعتابه المظلمة، على أنغام الوحدة الأبدية، على السواء، ودون تمييز.

هكذا كنا، طوال الوقت، كورقة صفراء معلقة في غصن شجرة وحيدة، نسقط مع أول هبة ريح، كل صباح! ليأتي ويأخذنا بيده، ويحفر لنا قبرًا، ويضع عليه شاهدة مكتوبة عليها:

هنا يرقد الصباح المسكين وحيدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد