ما شئت لا ما شاءت الأقدار .. فاحكم فأنت الواحد القهارُ

وكأنما أنت النبي محمدٌ .. وكأنما أنصارك الأنصارُ

نعم، لا تستغربوا، حدث هذا في العصر الفاطمي، قالها الشاعر سيئ الذكر ابن هانئ الأندلسي مادحًا المعز لدين الله الفاطمي، القصيدة طويلة بعض الشيء، وهي تتمادى على هذا النحو من المديح الفجّ، الذي نراه إلى هذا اليوم شائعًا في ثقافتنا، حتى لنكاد نستأثر به من دون الأمم على وجه الأرض، ولنا في جرير والفرزدق خير مثال، وشعر التقرب إلى الأمراء ومديح الشيتة والتطبيل.

– موضوعي هذا الذي سأقدمه ليس من باب السخرية، بقدر ما هو من باب الجد وضرورة الحديث عنه؛ لأن ظاهرة التزلف أو الشيتة باللهجة العامية الجزائرية، أو التطبيل باللهجة المصرية، هي وباء سرطاني يدب في دمائنا، يعيقنا عن التقدم في شتى مجالات الحياة، مقززة إلى حد الموت تلك الأساليب والسلوكيات التي تحيط بها تلك النماذج من أصحاب التطبيل والنفاق والشيتة، ولا شك في أن ذلك الأسلوب كان وما يزال جزءًا لا يتجزأ من أسباب التراجع والترهل وسوء الأداء، وتكدس المشاكل في المجتمعات العربية والإسلامية، فمن جهة، يجيد الكثير من المسئولين النفاق والتزلف واللعب على 50 حبلًا، ومن جهة، هم في قرارة أنفسهم يعتقدون ويؤمنون ويبصمون بأن أصحاب القرار لا يحبون الكلام الصادق، لا يطيقون الحقيقة، هم يريدون النفاق والكذب وقلب الميمنة ميسرة والشمال جناحين، وفي الحقيقة، كلامهم هذا قد يكون صحيحًا، لكنه يعد قمة الخنوع وخيانة المسئولية الوطنية، والإضرار بالوطن العربي، وبالشعب في كل بقعة من أمتنا العربية والإسلامية.

ما تعريف التزلف أو التطبيل أو الشيتة؟

التزلف «بالإنجليزية Ingratiation»: هو أسلوب نفسي يحاول به الفرد (المتزلف) التأثير والتلاعب أو السيطرة على الآخر (المستهدف)، وذلك من خلال أن يُصبح الشخص أكثر جاذبية أو محبة من قبل الشخص المستهدف. وقد صاغ هذا المصطلح عالم النفس الاجتماعي إدوارد إلسورث جونز. يمكن تحقيق هذه النتيجة باستخدام عدة طرق:

  • تعزيز آخر هو الأسلوب الذي يقوم فيه المتزلف بمجاملة الفرد المستهدف.
  • توافق الرأي يحدث عندما يتبنى المتزلف ويؤكد مواقف ومعتقدات الفرد
    المستهدف.
  • العرض الذاتي هو أسلوب يؤكد المتزلف من خلاله على سماته الشخصية الخاصة من أجل
    أن ينظر له الشخص المستهدف نظرة إيجابية.
  • السلوكيات الخاصة بالمواقف تتضمن معرفة المتزلف بمعلومات شخصية عن الشخص المستهدف، ثم
    استخدام هذه المعلومات للحصول على موافقته وقبوله.
  • القيام بالخدمات أو المعروف وهذه الوسيلة تبدو مفيدة ومراعية للفرد المستهدف. وهذا قد يولد
    أيضا مشاعر المعاملة بالمثل بين المتزلف والشخص المستهدف.
  • التعبير عن الفكاهة هو أي حدث مشترك بين المتزلف والفرد المستهدف، يحاول فيه المتزلف
    أن تكون مسليًّا للشخص المستهدف.

في اللهجة الجزائرية تسمى «الشيتة» بوصفها تزلفًا وتقربًا يكسوها الذل والمهانة من أجل تحقيق مصلحة، فمن هو الإنسان «الشيات«؟ وما سماته؟، هذا يقودنا إلى سؤال أعمق: هل «الشيتة» جانب أصيل في الإنسان أم مكتسب؟ هل يولد الإنسان وهو مزود بهذه الصفة؟ أم قسوة الحياة وجبروتها هي التي تجبره على «ضرب الشيتة» مكرها وليس طوعًا؟

ليس سهلًا الحسم في هذه المسألة «الأنطولوجية» التي قد تقودنا إلى نوع من العنصرية، لكن تجارب الحياة تخبرنا أنه يوجد نوع من بشر، وليس كل البشر، يتحلون بهذه الصفة، ولا يعرفون، وليس بإمكانهم العيش بدونها.
إذا لجأنا إلى البرهان بالخلف نقول إن «الشيات» ليس هو الانتهازي ولا الوصولي، هو كذلك وأكثر من ذلك، لأن الانتهازي أو الوصولي يستعمل ذكاءه وكفاءته من أجل تحقيق مصلحة شخصية ضيقة، وقد لا يصل به التنازل إلى مرحلة «الشيتة» التي هي أعلى مراحل الانتهازية والوصولية، التي يجوز وصفها بمرحلة «الرخص» بدلالاتها الشعبية الجزائرية.

إن الإنسان الذي يلجأ إلى الشيتة، وهي الوسيلة الأخيرة والرخيصة، بل ذروة الرخص، يستعملها أداة وسلوكًا ونمط حياة، في هذه الحالة يكون قد أعلن القطيعة النهائية عن منظومة قيمية وبنية نفسية واستبدل بهما أخرى مغايرة تتجلى على صعيدين يتعذر حضور أحدهما دون الآخر، صعيد خارجي وآخر داخلي، الأول الخارجي يفصح عن انهيار المنظومة الأخلاقية، مثل الاستقامة والشرف والرجولة والوفاء، والداخلي يفصح عن انهيار البنية النفسية، ويكشف عن شخصية غير سوية حتى إذا أظهر العكس، لأنه قد يكون الإنسان «زوالي وفحل» كما تقول الأغنية الشعبية، لكنه يتعذر كثيرًا أن يكون الإنسان «شياتًا وفحلًا».

إن من يجعل الذل والتذلل والرخص وسيلة للعيش وأسلوب حياة، يكون قد سقط أخلاقيًّا ونفسيًّا، وتتجلى تجليًّا خاصًّا، فيكثر في تفكك نسيجه النفسي الداخلي، ويكون فاقد الثقة في النفس وفي المحيط والناس فيلجأ، بسبب الجبن المتأصل، وهي صفة مرادفة للشيات، إلى الحيلة، الخبث، اللؤم، الغش، الخداع، الكذب والتدليس في التعامل مع العالم الخارجي، حتى مع أقرب المقربين.

هذه من سمات العبيد وذهنية العبيد وأخلاق العبيد، حتى وهو يحمل أعلى الدرجات العلمية أو أعلى المراتب السياسية.
لذلك لا غضاضة عنده في دخول سوق النخاسة، ويتاجر بكل شيء وفي كل شيء، حتى بكرامته وشرفه وعرضه وتتحول إلى سلعة للبيع.

في هذا المقام، قد يسأل سائل هل الشيتة صفة «رجالية» تستثنى منها النساء، إنها صفة عامة تنسحب على الجنسين، فقط المرأة لما تقرر ممارسة «الشيتة» تختزل الطريق والمتاعب والجهود المضنية وتستلقي على ظهرها في أول سرير.

ما التطبيل الديني أو الشيتة الدينية؟

هذا السؤال إجابته واضحة، تتجلى في كتاب «وعاظ السلاطين» للمفكر العراقي علي الوردي، يقول في الفصل الأول: «إن مُشكلة الوعاظ رجال الدين عندنا أنهم يأخذون جانب الحاكم، ويحاربون المحكوم؛ فتجدهم يعترفون بنقائص الطبيعة البشرية حين يستعرضون أعمال الحكام، فإذا ظلم الحاكم رعيته أو ألقى بها في مهاوي السوء، قالوا: إنه اجتهد فأخطأ، وكل إنسان يُخطئ والعصمة لله وحده. أما حين يستعرضون أعمال المحكومين فتراهم يرعدون ويزمجرون وينذرونهم بعقاب الله الذي لا مرد له، وينسبون إليهم سبب كل بلاء ينزل بهم».

لا غرابة أن يخرج علينا فقهاء القصور اليوم بفتاوى فجة ترضي الملوك والرؤساء وتدعو المؤمنين المغلوبين على أمرهم إلى اجتناب الفتنة، وعدم إزعاج أولي الأمر، وكل ذلك مؤصَل بالآية والحديث الصحيح. لست أدري متى يفهم هؤلاء أن هذا الزمان غير زمانهم، وأن الوصاية على خلق الله في دينهم لم تعد مقبولة من معظم الناس، حتى وإن اضطُرَوا إلى الرجوع إلى أصول دينهم بأنفسهم وتحمل مسؤوليتهم أمام ربهم دون عون علماء باعوا ضمائرهم وشروا بدين الله ثمنًا قليلًا.

لطالما سكتنا وتورَّعنا عن الخوض في الحديث عن زلات بعض أهل العلم باعتبار أنَّ لحوم أهل العلم مسمومة. وإذا بهم قد سمَمونا وسمَّموا الأمَّة وضيّعوا الدين بفتاويهم، وسمَّموا التوحيد بادعاءات باطلة بسبب تملقهم للحكام وسعيهم إلى إرضائهم وتحقيق مصالحهم الشخصية، لا يمكنك أن تجد بلاطًا دون علماء يتزلفون لسيدهم، حتى يستنشقوا العبودية البلاطية في القصور، لسحق أبناء الوطن بالفتاوى الجاهزة من غرف مكيفة ترضي أهل البلاط.

ما التطبيل أو الشيتة باسم الوطنية؟

يقول الكاتب الإنجليزي صموئيل جونسون: «الوطنية هي الملاذ الأخير لكل نذل».

نعم! أصبح حب الوطن من التملق والتقرب من الحكام، بعدما كان حب الوطن من الإيمان والتقوى، أنا لا أرتاح إطلاقًا لمظاهر التعبير الزائد عن الولاء والانتماء في الأعياد والمناسبات الوطنية، فالمبالغة تعكس في الواقع زيفًا وتملقًا للسلطة وليس مشاعر حقيقية. وشيوع التزلف يؤكد الفشل والتخلف!

وبذلك أصبح المتملقون والمنافقون هم أصحاب المكانة القريبة من المسؤولين، وأصبح المخلصون العاملون الجادون، الذين لا يجيدون العزف على وتر النفاق، ولا يحسنون الضرب على أعواد المداهنة؛ لأن الأمة تجامل على حساب المصلحة، والنفاق الاجتماعي أصبح أحد المؤهلات الضرورية للوصول إلى المناصب، والتقرب من الرؤساء، ومن لا يجيد هذا النوع من النفاق لا مكان له إلا في ذيل القائمة إذا وجد لها ذيلًا!

كل هذا ساهم فيه إلى جانب كبير الإعلام العربي الموالي للأنظمة، الذي يسكت الحق ويضرب الشيتة الوطنية حتى النخاع صباح مساء، وبالنسبة لي أن من يفوز بجائزة أفضل تطبيل هو الإعلام المصري، الذي هو إعلام فريد من نوعه، لا مثيل لـــه في عالم التطبيل والشيتة، الذي لا يملك ضميرًا حيًّا، فقد مات جوبلز وزير إعلام الحزب النازي الألماني، ولكن مقولته المشهورة ما زالت حية وتزداد قوة يومًا بعد يوم: «أعطني إعلامًا بلا ضمير أعطيك شعبًا بلا وعي».

ما دواء هذه الأوبئة الفتاكة؟

للأسف ليس هناك خلطة كيميائية، لعلاج هذا الوباء الذي ينتشر مع انتشار القمع والظلم في العالم العربي؛ لأنه راسخة في دماء الشعوب سيكولوجيًّا ويشخصها علماء النفس على أنها مرض كامل!

ربــــما العلاج في يد الأنظمة؛ فهي تعيش على أفواه هؤلاء الشياتين المطبلين، الذين غيروا قرارات ومسارات للتطور، غيروها إلى الأسوأ، وإذا نظرنا في مسيرة التاريخ الإنساني لوجدنا أن التزلف هو العامل الأخطر في تقويض الدول؛ لأن التزلف يدب في جسد الأمة كما يدب السرطان في جسد الناس، ولا يشعرون به إلا وهم جثة هامدة، انهارت قواهم، وفقدوا مناعتهم، بما أحدثه من نقص في المناعة، وهذا بالضبط ما يحدثه التزلف وضرب الشيتة في وحدة الأمة، إذ يجعلها جثة هامدة عن طريق إحداث الفتنة والاضطرابات والفرقة، والعمالة مع أعداء الإسلام في هدم الإسلام والمسلمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التطبيل, الشيتة, و

المصادر

ويكيبيديا - تعريف التزلف
كتاب وعاظ السلاطين - الدكتور علي الوردي
النفاق الاجتماعي ظاهرة مرضية- الدكتور محمد مرابطي محمد المرباطي
عرض التعليقات
تحميل المزيد