لقد سرقت منا مواقع التواصل الاجتماعي ذاك الإنسان في وجوده الواقعي سرقت المشاعر الوجودية، اللحظات الحقيقية – الوجودية – الحكم المتوازن على الأمور والأحداث الواقعة من حولنا.

وبعبارة دينية أصبح الوثن المعبود من حيث لا إرادة في عبادته.

ولكن وضع كل شيء تحت الفهم المتوازن يجعلنا لا نتجنى عليه ولا نُفقده قيمته.

اليوم مواقع التواصل الاجتماعي جزء مهم من العالم الشخصي للإنسان، بل قد يصبح عالمه الأهم أحيانًا. تحت مسمى (الوجود الافتراضي).

الأغلب لا يتعاطى مع وسائل التواصل بوصف المتحكم، فتجده مستخدمًا لا أكثر مُستهلكًا غير منتج لشيء، يحكمه رأي الجماعة، وتؤثر فيه آراء الجماعة، ردة فعل لا فاعل، فتجده صدى لا صوتًا.

المشكلة أننا في عالمنا الافتراضي العربي والإسلامي تحديدًا نواجه عالمًا وسائله تتجاوز ثقافته، فتجد أن أكثر ما يؤثر في العقل الجمعي منشورات الضحك، الحزن، منشورات الدين المُلقن، السياسة وغيرها على التوالي لا على موازنة في الاهتمام.

فأي طرح يتعلق بالفكر تهمل قراءته أو يؤجل لوقت غير معلوم، وإن كان لا يرضي أصحاب الثوابت حتى في المسائل الخلافية فتجد عندها التحقير من الفكرة المطروحة ونعت صاحبها بأبشع الصفات بسبب مسألة هي خلافية في أصلها، فيجتهد صاحبنا بالرأي الذي يراه يتفق مع عصر التكنولوجيا ويأخذ ذاك برأي عصر الرسائل المرسلة بواسطة العصافير.

أسئلة كثيرة تدور في عقلي:

من يدير الرأي في العالم العربي والإسلامي؟

هل الرأي فعل أم ردة فعل؟

هل رأي العرب في هذا العالم صوت أم صدى؟

هل نحن أمام متحكم أم مستخدم؟

هل الرأي يعكس الواقع أم أن رأي عالم المواقع يتدخل في صناعة رأي الواقع؟

هل مواقع التواصل بالنسبة للعرب مُتنفس معرفي ثقافي أم هروب من واقع مُزرٍ؟

هل نحن أمام شخصيات حقيقية أم فقعات وهمية؟

ثم ما مدى تأثير هذا العالم في الأطفال؟

هل نحن فعلًا في عصر السرعة والتقدم واختصار الوقت؟ أم أن العرب المسلمين هم قوم مستهلكون محافظون على عقليتهم الموروثة يضيعون وقتهم لا أكثر؟

ثم ما مدى تأثير تدين مواقع التواصل في العقلية الدينية والدين؟

العقلية الدينية الافتراضية التي أصبحت صدى للفكر التكفيري الموجود إعلاميًّا.

فتجد من يستشهد بآيات قرآنية لغرض التسويق لفكرته في غير ما أنزل الله فتجد ببغاوات تردد باختزال واضح لتشويه الفكرة الأساس.

فقاعة التدين على مواقع التواصل التي تنهار أمام حقيقة الدين والمفاهيم الصحيحة غير المشوهة.

سؤال أيضًا: هل نحن أمام متابعة اختيارية للأشخاص وللمحتوى أم متابعة مفروضة ممولة من غير قصد منا؟

وسائل التواصل الاجتماعي ليست بريئة؛ فهي تصنع عالمًا رمزيًّا يؤثر في مفاهيم الإنسان ثم يؤثر في وجوده الروحي فتنعكس على سلوكه ثم على ثقافة من حوله إلى ثقافة بيئة ومجتمع.

أحد الأصدقاء في هذا العالم قال لي مرة: أنت لا تمزح. فقلت كيف؟ قال: أنا أراك هكذا جامدًا، طيب يا حبيبي هذا ما تراه أنت ليست رؤية حقيقية كاملة.

أنا أمزح ولدي همومي وأشغالي وممارسات حياتية لا تعرف عنها شيئًا، ولن تعرف عنها لأن المتحكم بخصوصياته لا يهمه رأيك ببساطة، ولا أن تُقيد حياته بآرائك وقناعاتك الخاصة. فالجانب الفكري ربما هو الطاغي في حياة الواقع والأكثر ظهورًا هنا.

مواقع التواصل الاجتماعي تعكس جانبًا من حقيقة الشخص، الجانب الذي يريده صاحبه أن يظهر هنا: كالفكاهة والحزن وإلى آخره.

وأنا اخترت الجانب الذي أحبه.

إن كثرة التفاعل لا تعطي أهمية للمحتوى التافه، كما أن قلة التفاعل مع المحتوى الجيد لا تقلل من أهميته.

تفاعل الإنسان العربي المسلم تحكمه الشخوصية والشخصية، الشخوصية على اعتبار أن كل ما يطرحه زيد غير قابل للتحليل غير قابل للأخذ والرد. والشخصية بسبب علاقة ما بين زيد الناشر وعمر المنشور له على اعتبارات توافقية ثقافية ودينية وسياسية، ومن جانب آخر تحكمه علاقة الدعم المتبادل.

أنت إرادة أمام مواقع التواصل لا تكن مستهلكًا فقط.

كن على استعداد ثقافي معرفي يؤهلك لإنتاج عالم لن تندم يومًا على العيش فيه.

أقول أخيرًا: لا بديل عن الواقع؛ فمواقع التواصل جزء من الواقع ليست كله.

مواقع التواصل من نعم التكنولوجيا على الإنسان العصري التي يجب أن تخضع لقاعدة لا إفراط بها ولا تفريط في استخدامها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد