مما لا شك فيه أن أغلبنا قد سمع يومًا ما عن الهستيريا، بل قد يكون وصف ذات مرة شخصًا ما أو سلوكًا ما بأنه هستيري، وذلك بناءً على الفهم الشعبي السائد للهستيريا كسلوك منفعل ودراماتيكي مليء بالصراخ والبكاء، وهو أمر قد لا يجافي الواقع كثيرًا، وإن كان ما زال محدودًا ومنقوصًا ولا يتطابق تمامًا مع ما يعنيه علم النفس باضطراب الشخصية الهيستيرية ومعاييره التشخيصية، دعونا في هذا التقرير نحاول أن نوضح ماذا يعني اضطراب الشخصية الهستيرية علميًّا، وما هي مواصفاته وفق الدليل التشخيصي الإحصائي الخامس للأمراض النفسية.

ماذا نعني باضطراب الشخصية الهيستيرية؟

اضطراب الشخصية الهستيرية هو أحد الاضطرابات النفسية المعروفة والمشخصة علميًّا من قبل المجاميع الطبية النفسية في العالم أجمع، وهو ينتمي لمجموعة اضطرابات الشخصية، والتي يبلغ تعدادها عشرة اضطرابات وفق ما يوضحه لنا الدليل التشخيصي للأمراض النفسية.

يُعرف اضطراب الشخصية الهستيرية على أنه نمط سلوكي وفكري وشعوري مستمر، يبدأ مع الشخص (ذكر أو أنثى) خلال فترة البلوغ المبكر، وفيه تتحول شخصيته لشخصية انفعالية بشكل مبالغ فيه، تبحث دائمًا عن لفت انتباه الآخرين، لأن هذه الشخصية تجد متعتها وسعادتها وتشعر بذاتها فقط من خلال الحصول على إعجاب الآخرين، وهي تسعى لذلك في العديد من السياقات والمواقف الحياتية المختلفة، مثل البيت والجامعة والعمل والشارع… إلخ.

ما هي المعايير التشخيصية لاضطراب الشخصية الهستيرية؟

لأجل تشخيص شخص بشكل علمي على أنه مصاب باضطراب الشخصية الهستيرية يجب أن تتوفر فيه لمدة مستمرة من الوقت خمسة من المعايير التشخيصية الآتية على الأقل وهي:

1- يشعر الشخص المصاب بالاضطراب بأنه غير مرتاح البتة في الأوضاع والمواقف الاجتماعية التي لا يكون هو فيها مركز الاهتمام من الآخرين.

2- يحاول المريض غالبًا عند تفاعله مع الآخرين إما إغراءهم جنسيًّا بالنظرات أو اللباس… إلخ، وإما استفزازهم وافتعال مشاكل معهم، وكلا هذين المسلكين يحدثان دون داعٍ أو سبب واضح أو سياق طبيعي. (ملاحظة في حالة الإغراء الجنسي فإن الهدف منه في نفسية المريض غالبًا الحصول على الإعجاب فحسب، وليس الجنس بحد ذاته، وكثيرًا من هذه الشخصيات الهستيرية تكون مصابة بالبرود الجنسي).

3- طريقة تعبير المريض عن مشاعره صوب الآخرين تتسم غالبًا بالتقلب السريع والسطحية.

4- يستخدم الإنسان المريض مظهره الخارجي لأجل لفت انتباه الآخرين له، بمعنى أنه غالبًا ما يرتدي ملابس أو حلى أو يقص شعره… إلخ، بطريقة تجذب الأنظار نحوه، وهو الأمر الذي يروي عطشه الدائم للحصول على الإعجاب الدائم بشكل مبالغ فيه.

5- طريقة حديث الإنسان المريض تهدف دائمًا لإثارة انطباع الأشخاص المحيطين به، وهو ينتقي مواضيع وألفاظ تساعده على ذلك، مثل استعراض معارفه وعلاقاته الواسعة المدعاة في كثير من الميادين، وتتسم طريقة تناوله لهذه المواضيع غالبًا بالعمومية وفقر التفاصيل، وذلك بسبب طبيعتها المبالغ فيها وغير الحقيقية.

6- مبالغة شديدة لدى المريض في طريقة التعبير عن المشاعر، ويفعل ذلك بشكل مسرحي ودراماتيكي (مثال، شخص يرتطم به خلال المشي في مكان مزدحم فيقوم برد فعل مبالغ به ويبدأ بالصراخ، أو زوج يرفض تلبية طلب محدد لزوجته فتصاب بانهيار وتبدأ بالصراخ والبكاء بشكل شديد).

7- يتأثر الشخص الهستيري كثيرًا بالأشخاص الآخرين وسلوكياتهم وذات الأمر مع الظروف المحيطة، بمعنى أنه يتفاعل بشدة مع السياق ومثيراته بغض النظر عن حجمها ومستواها وأهميتها.

ما هي أسباب اضطراب الشخصية الهستيرية؟

يعتقد خبراء الصحة النفسية أن أسباب اضطراب الشخصية الهستيرية متعددة ومتشابكة، حيث إنها خليط من الأسباب الجينية التي تنتقل من الأهل للإنسان بالوراثة، أو أسباب تعليمية وتربوية ناتجة عن كون المريض قد تأثر خلال طفولته بالسلوك الهستيري لأحد والديه، أو أنه لم يتعرض للضبط الكافي خلال طفولته من الأهل ومقدمي الرعاية له، وكان يحصل منهم على كثير من الدلال والمكافآت غير المناسبة والمبالغ فيها. ويذكر أن اضطراب الشخصية الهستيرية شائع في أوساط النساء أكثر من الرجال، وتبلغ نسبته في تعداد السكان 1.8%.

 هل يمكن علاج اضطراب الشخصية الهستيرية؟

في الحقيقة أن الأشخاص المصابين باضطراب الشخصية الهستيرية ينتمون لفئة المرضى غير المستبصرين، أي أنهم لا يعرفوا ولا يقتنعوا أن لديهم مرضًا نفسيًّا، وبالتالي يرفضون العلاج النفسي وتلقي المساعدة، إضافة لأن طبيعة شخصيتهم المتقلبة والانفعالية لا تساعدهم على الانضباط في خطة علاجية نفسية طويلة المدى، وإن كانوا قد يذهبون للعلاج بسبب إصابتهم بالاكتئاب أو القلق نتيجة لطبيعة تفاعلهم غير السليم مع الآخرين الناتج عن طبيعة شخصيتهم.

هذا ويعتبر العلاج النفسي التحليلي هو أنسب علاج لاضطراب الشخصية الهستيرية، حيث إنه يهدف لنزع الغطاء عن الدوافع النفسية اللاواعية، التي تدفع الإنسان للتصرف والتفكير بشكل هستيري، وذلك لأجل مساعدة المريض على فهم ذاته بشكل أفضل، وبالتالي العمل على تحسين طريقة تفاعله مع محيطه ومع الآخرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد