لقد بات مصطلح الديمقراطية يجتاح عقول الكثير من المسلمين، وأخص بالذكر معلمينا الأفاضل والطلبة الأعزاء.

كيف استنتجت ذلك؟

على مستوى المعلمين أراهم يرددونها حينما يريدون أن يبرهنوا أنهم يستمعون لطلابهم ويعطونهم الحرية في التعبير عن آرائهم، أو حينما يريد المعلم أن يأخذ برأي طلابه في مسألة ما!

أما الطلاب فهم يتلقون ويتلقنون ما يقوله المعلم القدوة لهم، ويتأثرون بترديد المعلمين لها وعوام الناس وفي التلفاز وفي المناهج وغيرها الكثير الكثير.

والكل يرددها حينما يمارس آلية الانتخاب.

فما حقيقة هذا المصطلح وكيف ننظر له من زاوية الإسلام؟

بداية إن مصطلح «الديمقراطية» استأثر باهتمام كبير من خلال لفت الأنظار إليه وتسليط الضوء عليه، وصار عند الغالبية مثالًا للصفة الحميدة والاعتزاز بالتحلي به، ويصف الكثير نفسه بأنه «ديمقراطي».

لدرجة أن الملحد يصف نفسه به، وكذلك الرأسمالي، حتى أشد الناس ظلمًا وطغيانًا يصف نفسه به!

ووصل الحال ببعض المسلمين ظنًا منهم أن يبرزوا الإسلام ويجملوه في عيون الغرب أو المضبوعين بالحضارة الغربية، بأن الإسلام فيه ديمقراطية وأن الديمقراطية هي الإسلام ولا تعارضه!

والبعض الآخر حاقدًا على الإسلام والمسلمين ولا يريد له أن يكون في سدة الحكم فيبرز أن الديمقراطية هي المثال الأعلى لأن أساسها تقوم على فصل الدين عن الحياة.

وحينما نتعرض للتركيز أكثر في المعنى الذي يقوم عليه المصطلح أو ما يُعبر عنه المصطلح، نرى بأنه:

إعطاء السيادة للشعب وحكم الشعب للشعب، أي أن له الحق في ممارسة إرادته الكاملة وأن يضع دستوره وقوانينه ونظم حياته، وحتى تتوفر له هذه الإرادة وُضعت الحريات العامة التي تعتبر الأساس الذي تقوم عليه الديمقراطية ويجب توفيرها لكافة الأفراد، وهي:

  1. حرية العقيدة.
  2. حرية الرأي.
  3. حرية الملكية.
  4. الحرية الشخصية.

وهنا لا بُد من محاكمة هذه المصطلحات بما تحمله من معانٍ ومن ثم عرضها على الشرع لنرى ما رأي الشرع بها، لنرى:

  • حرية العقيدة:

تعني أن الإنسان حر في أن يختار دينه، وأن الله عز وجل خلقنا في هذه الدنيا وتركنا هملًا كما الغابة، وأن يعيش الإنسان في الكيفية التي يراها مناسبة له، وأن الأديان كلها سواء ولا أحد يملك الحق المطلق!
فهل هذا من الإسلام؟

إذًا لماذا بُعث حبيبنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؟

أوَليس لإدخال الناس في دين الإسلام ولتعبيد الناس كلهم لله عز وجل؟

ولا يعني ذلك أن الدخول في الإسلام يكون بالإكراه؛ بل بالاقتناع والاختيار دون الإجبار، بدليل الآية: «لا إكراه في الدين».

ولكن الله عز وجل توعَّد من لا يدخل في الإسلام بالعذاب الأليم يوم القيامة، فليس للإنسان الحرية أن يؤمن أو لا يؤمن، بل هو مكلف بالإيمان وبالتكاليف الشرعية المترتبة عليه، فلا حرية عقيدة ولا حرية شخصية في الإسلام، وجعل الشرع حُكما خاصا للمرتد الذي يفارق الإسلام سافرًا مصرحًا بذلك.

  • الحرية الشخصية وحرية الرأي:

تعني أنه من حق الإنسان أن يلبس ما يشاء وأن يقوم بالأفعال التي يريدها، وأن يقول ما يشاء من غير ضابط.

فهل هذا من الإسلام!

ألسنا محاسبين على نشر الفساد والفاحشة والسكوت عنها؟

أليس الرجل مطالب أن يستر عورته كما المرأة مطالبة بذلك؟

ألسنا محاسبين على كل فعل نقوم به، وكل قول نتلفظ به؟

إذًا لماذا وكّلَ الله عز وجل ملكين يكتبان الأفعال والأقوال للإنسان؟

قال تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ. مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» سورة ق. 16-18.

  • حرية التملك:

تعني أن الإنسان حرٌ في كيفية جمع الأموال وكيفية صرفها.

هل يجوز له أن يرابي؟

وهل يجوز له أن يقبل الرشوة؟

أو يصرف أمواله على ما هو محرم؟

ألسنا محاسبين على كيفية تحصيل رزقنا؟

ألسنا محاسبين على كيفية صرف أموالنا كثرت أم قلت؟

إذًا ما فائدة الآيات والأحاديث التي تحذر من التعامل في الربا، والقمار والرهان وما شابهها من المعاملات الباطلة إذا كان الإنسان حرًا.

يقول قائل: لكن ديننا جعلنا أحرار!

أقول: نعم صحيح، ولكن من عبودية العبيد وليس من عبادة رب العباد.

وأستحضر هنا خير الكلام الذي قاله ربعي بن عامر مخاطبًا رستم قائد جيش الفرس:

نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام

وبعد هذه المحاكمة رأينا بعين اليقين أن الإسلام بريء من هذه الحريات، وأنها تعبر عن العقيدة العقلية التي قامت عليها الديمقراطية والتي تعتبر نقيضة للإسلام، فهي تقوم على أساس فصل الدين عن الحياة، أي أن الإسلام لا دخل له في تنظيم شؤون حياتنا وأن الإنسان سيد نفسه وله الحرية، ولا يصلح للدين الإسلامي أن يكون في سدة الحكم، لأنه سيحكم الناس بحكم الله عز وجل هذا ينافي ما قامت على أساسه الديمقراطية!

أما من حيث الأصل الذي جعلته أساسًا لها قولها حكم الشعب للشعب، فإن الشعب لا يحكم والذي يسن الدستور ويضع التشريعات والقوانين هم فئة قليلة لا تمثل إلا نسبة ضئيلة جدا من الناس، وأما من حيث الحاكم أي بالشعب، أي أن الشعب هو الذي يختار حكامه، فإن هذا القول مبني على مغالطة فظيعة، فالذي يحكم واحد أو هيئة تنفيذية لا تزيد في كل أحوالها عن مجموعة صغيرة تقوم بتنفيذ ما شرع لها من أحكام، وأما الذين اختاروا هذه الفئة فهم أقلية في المجتمع.

وهذا بحد ذاته تقييد للبشر بأن يُحكموا وفقًا لأهواء الحاكم ونزواته ومصالحه!

فهل يعتبر الإنسان مصدرًا لتشريع القوانين وبناء دستور للبشرية يحكم نفسه ويستطيع توحيدهم من خلالها؟

كيف يكون ذلك ونحن ندرك أن عقل الإنسان عاجز وناقص ومحتاج وغير كامل فكيف له أن يشرع أو يرسم لنفسه طريق السير في الحياة ويعالج مشاكل البشر؟

ولأن عقل البشر مختلف ويستحيل اتفاق الجميع على رأي واحد، قالوا بأن رأي الأكثرية هو المُلزم.

أما في الإسلام فإن السلطان للأمة والسيادة للشرع، أي أن الحاكم تختاره الأمة ليطبق فيها أمر الله العادل وبجعله المصدر الوحيد للتشريع، لأن المسلمين توحدهم فكرة الإسلام وهي الرابطة الوحيدة التي استطاعت توحيد البشرية وجعلها الضابط والمرجعية للإنسان، وليس أهواء البشر ولا تشريعات بشرية زائفة وعاجزة عن إيجاد الحلول والمعالجات للبشرية والتي تجعل من رأس المال فوق الإنسان.

ونرى الكثيرين يطلقون على آلية الانتخاب بأنها عملية «ديمقراطية» وهذا الفهم مغلوط فهو ليس أسلوب خاص بالنطام الديمقراطي، فقد روى ابن هشام في السيرة النبوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب من الأنصار في بيعة العقبة الثانية أن يختاروا من بينهم من يفاوضهم، وقد كانوا 73 رجلًاًا وامرأتين فقال لهم الرسول الكريم:

أَخرجوا إليّ منكم 12 نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم.

ثم قال: للنقباء أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء.

قالوا: نعم.

وعليه فإن آلية الانتخاب لا علاقة لها بالنظام الديمقراطية.

ولهذا يخطئ الكثير من المسلمين عندما يستخدمون كلمات لها مدلولٌ بعيدٌ كل البعد عن دينهم، بل تحرم الدعاية له أو أخذه أو تطبيقه، لدرجة أن البعض لا يعطي لنفسه الوقت للتفكر فيها كمصطلح الحريات التي قامت عليها الديمقراطية والتي تحدثنا عنها، إذ يجدها لا تليق بالإنسان الذي وهبه الله العقل ليتفكر ووضع له ضوابط ونظام صحيح يعيش فيه بما يتفق معه كإنسان.

قال تعالى: «أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» سورة الملك. 14.

هذه هي القواعد التي تقوم عليها الديمقراطية، التي يعبر عنها بالمبدأ الرأسمالي الذي يحكم العالم الآن وكلنا نعيش ونكتوي بناره، فهل هذا من الإسلام يا عباد الله!

فهل بعد هذا يصح لنا أن نقول إننا ديمقراطيون!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد