هذا المقال يحتوي على كثير من الإحباط والفراغ واللاجدوى، هذا مقال يليق بحال شاب مصري.

نحن أبناء الأسر المتوسطة، الطبقة الأكثر نفاقًا بين الجميع، نستلف أطباق الصيني من الجيران عند وجود ضيوف؛ لنملأها بطعام ليس لدينا ثمنه! الأسرة ذات التعليم العالي، أبناء لا هواية لديهم ولا ثقافة، فكر مسطح مثل فتاة لم تبلغ والأسوأ من ذلك تمسكهم الشديد بغبائهم، تلك الطبقة صاحبة الفضل في كل ما هو سيئ في حياة أي شاب مصري، أب وأم عاصروا كل محاولات حكوماتنا لمسح الوعي وغسيل الأفكار، بداية من الأب الراحل جمال عبد الناصر مرورًا بالثعلب السادات، وأخيرًا بابا حسني، لكن بعد حسني لم يعد هناك حاجة لغسيل الدماغ!

نحن الطبقة التي تأكل بالشوكة والسكينة كالأغنياء، وتصارع على البقاء آخر الشهر كالفقراء، الطبقة التي أكرهها لتخاذلها في كل شيء.

 الفقراء حاليًا نوعان شريف وغير شريف، الشريف سيموت من الجوع بعد بضع دقائق من الآن، يمكنك سماع حشرجة صوته ولا يمكنك فعل شيء، غير الشريف يتاجر في أي شيء، وكل شيء، منهم من يوقف ابن الطبقة الوسطى ليأخذ هاتفه، والأغنياء نوع واحد يمكنه تخطي أي قانون أو حاجز لصنع المال، وعند الوقوع في مشكلة يمكنهم حلها بالمزيد من المال، يمتلكون السلطة، السيادة وكلاب حراسة تم مسح أدمغتها وتجويعها وإطلاقها على أبناء الطبقة الوسطى، لكن احذر لا تشعر بانتصار أنك شريف، والدك يسرق أيضًا، لكنه فاشل حتى في السرقة، تراه يرتشي في المكاتب الحكومية، ويختلس ملاليم من الإدارة بضع ذنوب صغيرة لا تضر الكثير، تناسب وضعك الاجتماعي مجرد متوسط.

الأب الوسطي الذي نشأ على صوت أم كلثوم وخطابات عبد الناصر الشهيرة ومقالات هيكل، الذي لا يعلم معنى الفاشية أو معنى العقل الجمعي، فقط يردد مصطلحات يسمعها مثل القومية، الثورات العربية… إلخ من مصطلحات، المهم أنه يثق في الرئيس، لا يهم كم من المثقفين في السجون بالتأكيد هم أعداء الوطن، لم يسأل كيف كان عبد الناصر اشتراكيًا، وفي نفس الوقت سجن الشيوعيين، إنه حتى لا يعلم ما الشيوعية، لكنه يكرهها، ولأنه لا يعرف ما الشيوعية لم يعرف أنه حدث للشعب أكبر سرقة في تاريخه (التأميم)، أي دارس أو قارئ أو يعرف اسم ماركس يعلم أن ماركس حذر من أخذ الأراضي من أصحابها، وهو بالطبع ما حدث في قانون الإصلاح الزراعي، وما ترتب عليه ظهور بشوات جدد، الأب الذي لا يعلم أن عبد الناصر دخل ثلاث حروب خسرها جميعًا، وانتهى الأمر بهزيمة 67، التي أطلق عليها هيكل كلمة نكسة، وحقًا لا أعلم من أين أتى بهذه الكلمة، لكن بالطبع أي كلمة ستفي بالغرض، غير كلمة هزيمة، كيف تتبع رئيسًا مهزومًا؟ لكن ما تأثير الهزيمة على جيل كامل، جيل كذبوا عليه في الإذاعة أن طيراننا المصري يقصف عاصمة العدو، وسيل من الأرقام، والعندليب يغني وصلاح جاهين يكتب، والكل سعيد، تخيل ذلك التيه والضياع، جيل كامل غير مدرك، ولا يحمل من أساليب الفكر أو الاطلاع شيئًا، تخبره أن كل ما أخبر به كان كذبًا، أن طموحه وأحلامه ونهضة بلاده أوهام.

قتل عبد الناصر، والله أعلى وأعلم بمن قتله، وجاء السادات، وفي غالب الأمر السادات كان يريد أن ينام الشعب ويسكن حتى يستطيع هو العمل وتقرير دخول الحرب أم لا، ولاحظ أن من هزيمة 67 حتى حرب 73 هناك فترة ست سنوات شبه محذوفة من تاريخ الشعب، فترة الأفلام السينمائية التي لا قيمة لها، المهم أن (فخذي) الفنانة تكون جميلة وظاهرة بوضوح، وان تحمل من الإغراء أقصى حد، أن يكون الفنان من طراز حديث، لا يهم إن لم يكن رجلًا بما يكفي خلف الشاشة، لكنه يؤدي الغرض أمامها، مجلات البورن والبلاي بوي تجدها في غرفة كل شاب، والبدرة المخدرة في كل أنف، بالطبع غير شقق الدعارة، الله يرحمه لم يحرم الشعب من حاجة، ولا كمال الصراع أخرج الإخوان من معتقلات عبد الناصر، وذلك لسببين: أول سبب حتى يكبل الشيوعيين والمثقفين والفنانين والكتاب، وأي صاحب فكر، وثاني هدف لتخرج فتاوى طاعة الحاكم، لكن بدخول الحركات الوهابية مصر ظهرت جماعات متشددة أكثر، وكان موته على أيديهم، طبعًا لن نتحدث عن المخابرات وأمن الدولة وإتقانهم في عملهم.

وأخيرًا بابا حسني، ذلك الأب الحنون الذي ظل معنا 30 عامًا، فعل فيهم كل ما يهوى، ألغى وجود الشيوعيين تمامًا، لا أعلم كيف، وجعل من حركات المعارضة واليسار خادمة له، ثم انتقم من الإسلاميين انتقامًا عنيفًا، وصاروا النزلاء المفضلين في المعتقلات والسجون، تم تشويه المعمار تمامًا ليصير قبيحًا، ثم أدخل رجال الأعمال في المعادلة، فصارت الأملاك بين رجال الأعمال والدولة، ولم يمكن العمال من أدوات الإنتاج، هنا نقف لحظة، أنت الآن لا اسم للنظام الذي تتبعه، أنت لست دولة اشتراكية، وبالطبع الحكومة لن تقول ذلك حتى لا تنشط الشيوعية من جديد، كما أن لديك سوقًا تجاريًا حرًا وشركات خاصة، لكن في نفس الوقت هناك دعم وتعليم مجاني وتأمين صحي؛ لذلك لا تنتمي للرأسمالية، أنت الآن لا تعلم ماذا يحدث ولا تهتم، ثم يتم شحنك وتعبئتك في عدة طوابير لقضاء أي حاجة أساسية أو غير أساسية مع القليل من التخويف وصنع كيانات بوليسية غريبة يصير لدينا مواطن خائف من خياله ويخشى تغيير أي شيء.

الآن بالنظر إلى هذا الأب بهذه النشأة السياسية والاجتماعية فقط ماذا تتوقع أن تكون شخصيته إن كان لديه واحدة أصلًا؟ كيف تتوقع أن يربي أبناءً؟

والآن لننظر إلى الجزأ الأكثر مأساوية، وهو الابن ذاته، تخيل نفسك الآن في أوائل العشرينات أصغر أو أكبر، لا يهم، فوجودك ذاته لا يهم!

أنت مطالب بكل ما لا طاقة لك به، بداية من الدراسة في تعليم غير منطقي وغير مفيد، التعامل مع أساتذة مثل الأب السابق ذكره، لكن بقليل من الأمراض النفسية، مرورًا بالعمل والحصول على المال والزواج، وأخيرًا بتحقيق هدفك في الحياة!

وهذه كارثة؛ ليس لأن كل ما سبق صعب قريب من الاستحالة، لكن لأنك ليس لديك هدف في الحياة!

نحن الأبناء غير المرغوب فينا، لأب لا هوية له، وأخ كبير مصاب باكتئاب على أثر فشل الثورة، نحن الأبناء غير المرغوب فينا، نقرأ كثيرًا حتى نكون أفكارًا ليست لنا، نقلد كل جديد، ونفعل كل ما هو مختلف بهدف قتل الوقت، وقتل اليوم وقتل الحياة… لا نعلم من حياتنا سوى يومنا، ولا نريد من يومنا سوى أن يمضي سريعًا وخفيفًا، لا طموح لا آمال، نحن جيل فقد الثقة في كل ما هو مقدس.

فقط نحيا على أمل أن نموت بطريقة رحيمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!