لطالما وجدت صعوبة بالغة في إيجاد حد فاصل بين العروبة والإسلام، فلا أستطيع أن أتخيل إنسانًا عربيًا غير مسلم حضارة أو مسلمًا غير عربي لغة وثقافة، ولعلي لست وحدي من ذاق هذا الإشكال؛ فالكثير من الكتب والمراجع العربية والغربية صنفت علماء أفذاذ مثل «ابن سينا» (المولود في بخارى والمتوفى في إيران)، «جابر ابن حيان» (المولود في إيران والمتوفى في العراق)، «الرازي» (المعروف بجالينوس العرب والذي ولد وتوفي في إيران) و«الزهراوي» (المولود والمتوفى في الأندلس) -صنفتهم-جميعًا على أنهم علماء عرب مسلمون.

ليس هذا فحسب، بل إن الفتح الإسلامي لشمال أفريقيا والأندلس يشار إليه في كتب ومراجع عدة بالفتح العربي على الرغم من كون كثير من الفاتحين بربر أمازيغ. ومن أمثلة ذلك كتاب «الإسلام في المغرب والأندلس» وكتاب «حضارة العرب في الأندلس» للمستشرق الفرنسي «ليفي بروفنسال» وكذلك كتاب «حضارة العرب» للمؤرخ الفرنسي «جوستاف لوبون»؛ فهذه الكتب وإن كانت تميز بين جنس العرب وغيره من الأجناس التي شاركت في الفتح تمييزًا دقيقًا إلا إنها تؤكد على تحول المناطق المفتوحة بالإسلام إلى مجتمعات عربية بالكلية نتيجة لطغيان المكون الحضاري العربي الإسلامي على أي مكونات أخرى. ولم يكن ذلك بالطبع ليعني قصد أي نوع من طمس الهوية القومية الفريدة لهذه الشعوب، ولهؤلاء الفاتحين والعلماء والتي احترمها الإسلام، واستوعبها جميعًا، وإنما كان تعبيرًا موضوعيًا لواقع عايشه ملايين الملايين من البشر الذين أكرمهم الله بالحياة في ظلال الإسلام وحضارته لقرون وقرون.

وإذا نظرنا للموضوع من زاوية أخرى وهي كيفية تعايش المسلمين مع أهل العهد والذمة في البلاد المفتوحة، وكيف أصبحوا جزءًا أصيلًا داخل هذه المجتمعات منذ النشأة الأولى لدولة الإسلام في المدينة، ثم دول الخلافة الراشدة اللاحقة؛ نستطيع أن نتلمس حرص الإسلام على تحقيق ذلك التعايش منذ صحيفة المدينة التي نظمت الحياة بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، وكذلك بين المسلمين واليهود. حيث أوضحت الصحيفة حقوق وواجبات الجميع تحقيقًا للسلم المجتمعي والعيش المشترك تحت راية الإسلام. كذلك يحفل التاريخ بالأحداث التي توضح كيف عامل الراشدون أهل الذمة وعاهدوهم على الأمان في أنفسهم وأموالهم وكنائسهم.

ومن ذلك أن «عمر بن الخطاب» -رضي الله عنه- مر في الشام فوجد قومًا أقيموا في الشمس من النصارى. فقال: ما شأن هؤلاء؟ فقيل له: إنهم أقيموا في الجزية. فكره ذلك. وقال: هم وما يعتذرون به. قالوا: إنهم يقولون لا نجد. قال: دعوهم ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، ثم أمر أن يخلى سبيلهم.(1) فالإسلام عندما فتح الأراضي والبلدان شمل أهلها جميعًا برعايته وعدله، ومن ثم رحب النصارى بالمسلمين في أكثر من مكان، وساعدوهم أوقات الفتح وأعلموهم أن ولايتهم وعدلهم أحب إليهم من ظلم الرومان وطغيانهم. وخلال الدول الإسلامية المتعاقبة بعد عهد الراشدين نجد كثيرًا من الخلفاء والسلاطين يتخذون من اليهود والنصارى كتابًا وأطباءً ووزراءً لما وجدوه فيهم من ذكاء وفطنة مثل «ابن أثال» طبيب «معاوية»، و«يوحنا الدمشقى» مستشار «عبد الملك بن مروان»، ومن قبله جده الذي عمل رئيسًا لديوان الجباية في الدولة الأموية. وهناك «الأخطل» شاعر البلاط الأموي الذي زاد بني أمية مديحًا وفخرًا؛ فقومه من بني تغلب هم حلفاء بني أمية الأوفياء ظالمين أو مظلومين. أما الطبيب والدبلوماسي اليهودي الأندلسي «حسداي بن شبروط» رئيس الطائفة اليهودية في الأندلس؛ فكان سفيرًا للخليفة «عبد الرحمن الناصر لدين الله» ومبعوثه الخاص إلى الدول الأجنبية. وهناك أيضًا عالم الفلك والطبيب اليهودي «موسى بن ميمون» الذي ولد في الأندلس ثم انتقل إلى القاهرة ليعمل طبيبًا في بلاط «صلاح الدين الأيوبي» ومن بعده ابنه الملك الأفضل «علي».

ونحن هنا لسنا بصدد تقييم هذه التجارب، وإنما فقط نرصد بعض الأمثلة من واقع عاشه اليهود والنصارى في دولة الإسلام بعد الراشدين. فقد كان الجميع يشارك في بناء وتشييد حضارة واحدة حتى أصبحوا جميعًا -بما في ذلك اليهود والنصارى- عربًا ومسلمين من المنظور الحضاري.

فالعروبة بمفهومها الحضاري والثقافي ولدت بميلاد الإسلام فارتبطا معًا ارتباط الروح بالجسد، وانتشرا في بقاع الأرض المفتوحة فصبغا كل من عاش في رحابهما بصفات وقيم وسلوكيات مشتركة يتساوى في ذلك المسلمون وغير المسلمين، والعرب (أرضًا وجغرافية) وغير العرب. أما إذا نظرنا للعروبة والإسلام نظرة قومية ضيقة فلن نجدهما يتسعان إلا ليشملا إما الذين اتخذوا الإسلام دينًا، أو هؤلاء الذين عاشوا على أرض الجزيرة العربية (مهد العروبة والإسلام) حيث نشأت القبائل العربية وتفرعت، وهو ما يخالف الواقع خلافًا جسيمًا كما تبين.

فلقد كان لزامًا على أهل الأراضي المفتوحة الذين دخل معظمهم الإسلام أن يتعلموا العربية ويفهموها. يقول الإمام الشافعي: «يجب على الفرد المسلم أن يتعلم من لسان العرب ما يبلغ حمده في أداء الفريضة».(2)

أما العالِم بالشريعة فعليه أن يتعلم من العربية ما يفهم به كلام الله وسنة رسوله. فالقرآن عربي ولا سبيل إلى فهمه دون فهم العربية وألفاظها وتراكيبها. وبالنسبة لغير المسلمين فنجدهم قد تعلموا العربية نتيجة التعايش المشترك، حيث انصهر الجميع في بوتقة حضارية واحدة، قوامها الإسلام، وروحها العربية. يقول د.«عصمت سيف الدولة»: «إن تكن اللغة أحد العناصر التي تؤثر تأثيرًا في المضمون الفكري والفني والعلمي للحضارة، وتطوع الآداب والعادات والتقاليد مما تتسع له من معانٍ أو تضييق، فإن العربية هي لغة القرآن كتاب الإسلام، وهي في الوقت ذاته لغة الأمة العربية».(3)

والأمة العربية التي يقصدها د.«سيف الدولة» هنا هي الأمة العربية في شكلها الحالي، وهو ما نختلف معه إذا نظرنا للأمر من الزاوية الحضارية التي نتحدث عنها، والتي تجعل هذه الأمة تتسع لتشمل كل المناطق التي فتحها الإسلام على اتساعها واختلاف ألسنتها. بالطبع ذلك التصور يختلف عن الواقع الذي نعيشه في الوقت الراهن، لكن ما نعيشه لا يستطيع أن يمحو تاريخًا طويلًا استمر لقرون طوال وكأنه لم يكن.

فقد ظلت إيران طوال القرنين الأول والثاني الهجري لا تتحدث إلا العربية، وكان الشعراء الفرس يكتبون الشعر باللغة العربية في تلك الفترة التي اختفى فيها أي أثر للغة الفارسية، للدرجة التي جعلت القوميين الفرس فيما بعد يصفون هذين القرنين بـ«دو قرن سكوت» أي قرنين من الصمت. حتى جاءت الحركات الشعوبية المتمردة لتحد من رواج العربية شيئًا فشيئًا، ولكن ظلت حوالي 60% من مفردات اللغة الفارسية هي مفردات عربية. أما الترك فقد اعتنقت قبائلهم جميعها -والتي خرج منها العثمانيون فيما بعد- الإسلام قرابة عام 950م. وكانت لغتهم مزيجًا من العربية والفارسية، وظلت الأبجدية تكتب بأحرف عربية حتى أعلن أتاتورك علمانية البلاد، واستبدال الأبجدية العربية بأخرى لاتينية.

ولعل أبرز وأوضح مثال على ارتباط الإسلام بالعروبة ثقافة ولغة هو ما حدث في شبه الجزيرة الأيبيرية (الأندلس الشهيدة) والتي ظلت قرابة الثمانية قرون تستخدم اللغة العربية أو اللهجة العربية الأندلسية في المحادثات والمعاملات والمكاتبات في معظم أنحاء الأندلس، ولم يتبدل الأمر إلا بعد سقوط الممالك الأندلسية وآخرها غرناطة. حيث نصب الإسبان محاكم التفتيش في أنحاء البلاد؛ لتحكم بالموت على كل من يتحدث العربية، أو يتعامل بها، أو حتى يحتفظ بكتب لها من أي نوع . فقد أدرك هؤلاء أن العربية قرينة الإسلام الذي حاربوه، وأجبروا أهله على الانسلاخ منه والتنصر، إما يعذبون، أو يقتلون، أو يهجرون. ولم يجد الأندلسيون -لمواجهة هذا الطغيان- إلا اختراع لغة بديلة هي «لغة الألخميادو» واستخدامها سرًا لأربعة قرون، حتى اندثرت تمامًا. وهي لغة كتبت فيها الرومانية القشتالية بحروف عربية، وذلك لارتباطهم الشديد باللغة العربية لغة الإسلام الذي سلب منهم، كما سلبت منهم أرواحهم وحياتهم.

هذه الأمثلة وغيرها إنما هي دليل واضح على ارتباط العروبة بالإسلام ارتباطًا تامًا. وأن المسلمين في كل مكان بسجيتهم النقية، وجدوا أنفسهم نتاج هذه الحضارة التي ترسخت في نفوسهم بكل سهولة ويسر. يقول د.«محمد عمارة»: «لا تكاد أمة من الأمم تخلص لعرق واحد، وكذلك لا تكاد أمة من الأمم إلا تتكلم بلسان واحد، ولذلك ليس ما يُكَوِّن الأمة ويربط أجزاءها ويوحد شعورها ويوجهها إلى غاياتها هو هبوطها من سلالة واحدة، وإنما الذي يفعل ذلك هو تكلمها بلسان واحد».(4) ومن ذلك المنطلق لا نكون مبالغين أبدًا إذا اعتبرنا أن الأمة العربية تتسع لتضم كل الشعوب التي دخلها الإسلام، وظلت لقرون طوال تتحدث العربية وحدها أو تتحدثها إلى جانب لغات ولهجات محلية، وإن كان ذلك يخالف واقعنا الآن بعد أن تم التلاعب بهذه الحقيقة لأسباب تتعلق بعلو النزعات الشعوبية والطائفية، وأخرى تتعلق بأهداف استعمارية.

ومن هنا أصبح واجب المخلصين من أبناء هذه الأمة هو إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح بدلًا من البحث عن المزيد من التشرذم والتفتت بإزكاء النعرات القومية الضيقة التي يثيرها الغرب المتصهين وأتباعه في نفوس إخواننا الأكراد والأمازيغ والنوبيين وغيرهم. فالمسلمون جميعًا ينبغي أن يفخروا بالعروبةـ وأن يكونوا عربًا لغة وثقافة وحضارة دون أن يعني ذلك المساس بخصائصهم ولغاتهم القومية التي ستظل موجودة بوجود أهلها. فدعونا ننظر إلى العروبة باعتبارها رديفًا للإسلام، وليس باعتبارها مجموعة من الدول على خريطة رسمت بأيدي الاستعمار. ولنعمل جميعًا على إعطاء اللغة العربية مكانتها التي تليق بها بجعلها حية على لسان المسلمين في كل مكان.

ودعونا نتأكد أن ديننا يساوي بين المسلمين جميعًا، ولا يفاضل بين الفرد المسلم الأعجمي والعربي إلا بالتقوى والعمل الصالح. ولكن هذا لا يمنع أنه فضَّل العرب على غيرهم من الأجناس، حيث اتفق أهل السنة والجماعة على أفضلية العرب على غيرهم من الأجناس والأنساب؛ لذا فإن المسلم الحق بفطرته وأيًّا كان جنسه يتمنى أن ينتسب إلى جنس العرب، ويود أن يكون عربيًا، ولو لم يكن عربيًا. كما أن العربي الحق مهما كان دينه لا ينساق وراء دعوات الفرنجة والعلمانية والتغريب، ويعلم أن مجتمعه العربي إنما صنعه الإسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر

المصادر

(1)هكذا عاش اليهود والنصارى في ظل دولة الإسلام.
(2)تعلم العربية.. رؤية شرعية: إسلام ويب.
(3)عن العروبة والإسلام: د. عصمت سيف الدولة
(4) الإسلام والعروبة: د. محمد عمارة
اللغة الفارسية: المعرفة
لغة «الألخميادو» سلاح العرب الثقافي في الأندلس.
عرض التعليقات
تحميل المزيد