الزواج سنة الحياة، ونصف الدين كما أخبرنا رسولنا الكريم، وهو السكينة والمودة والرحمة كما قال الله في كتابه الجليل: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً).

منذ القدم جرت العادة فيما جرت أن اختيار الزوجة يتم عن طريق الأم أو الأخت أو الأقارب كونهم يكونون على علم أو معرفة مسبقة بالفتاة التي سيخطبونها ويضمونها لعائلتهم، وبمجرد أن يتقدم الشاب للفتاة تبدأ تحرّيات أهلها وأقاربها بالسؤال عنه وتقصّي أخباره، ومعرفة جذوره وأصله وفصله، وما يحمله من عادات وما تطبع به من طباعٍ جيدة وسيئة على حد سواء، فإذا كان ذا شأنٍ ورفعةٍ زوّجوه وباركوا زواجه، وإن كان ذا مالٍ وأملاكٍ حدث الأمر نفسه، حتى وإن كان الشاب غير ملتزم دينيًا، ولا يؤدي حقوق الله كما يجب، زوّجوها إياه وقالوا سيهديه الله ويصلح حاله بمرور الأيام، ويكأن هدايته معلقة على يدي الفتاة التي ستصبح زوجته!

هنا يستحضرني سؤال إذا كان هذا الشاب غير مؤدٍ لحقوق الله، ومقصرًا في دينه فكيف سيؤدي حقوق زوجته دون أن ينتقصها أو يحيف فيها؟!

كأنّ الزواج صار بالماديات والمناصب والشأن، وكأنّي بالفتاة تتحول بهذا الشكل المُهين لما يشبه السلعة، فتُقدّم لمن يدفع أكثر ولمن يملك أكثر.

إنّه لمِن أدهى الأمور وأكثرها سوءًا أن يتم التعامل مع فعلٍ مُقدّس بهذه الحماقة والمادية الصرفة، التي لا مجال فيها للتفاوض أو التوافق أو أي سبيل للوفاق والوئام.

إنّ تصرف الناس وتعاملهم مع الأمر بهذا الشكل ينسف وصيةً كاملةً ونهجًا سليمًا أوصانا به الرسول حين قال: «إذا أتاكُم من ترضونَ دينَهُ وخُلَقَهُ فزوِّجُوه» فجعل الشرط الأول والأساس في الموافقة على شريك الحياة هو الدين، فالرجل الذي يصلح دينه تكون حياته صالحة، إذ أنه سيعامل المرأة بما أقرّه الله وشرعه فإذا أحب المرأة أكرمها وإن كرهها أطلَقها دون ضرر أو أذى يلحق بها.

ودين الرجل ديدنه وطبعه وأساس حياته وتعاملاته كلها، فإذا كان دينه قويمًا كانت حياته كذلك فصحّت واستقام أمره، وهذا سيقود بطبيعة الحال إلى الشرط الثاني الخُلق الصالح والمُخالقة الحسنة التي تترسّخ في المرء وتتثبّت فيه تثبّته وتشبّثه بدينه، إذ كيف لشاب لا يحيد عن دينه ولا يتبع هواه أن يضلّ السبيل أو يفعل ما ينافي عقيدته؟!

وجب على الماديين وأصحاب النظرة الضيّقة الخروج من قوقعة الماديات وتسليع الفتاة فالله كرمها وقسم لها من الحقوق ما يحفظ كرامتها في الزواج وغيره، فمالي أرى بعض الآباء يجعلونها سلعة يقدومنها للذي يدفع أكثر؟! مالي أراهم ينظرون للرجل على أنّه بيت مؤثث وسيارة فخمة ورصيد بنكيّ؟! أيعقل أن تطغى الماديات على الناس بهذا الشكل وأن تسوى العواطف السامية والروابط المقدسة في الأرض دون أدنى مراعاة لحرمتها ولقلوب أصحابها؟!

المرأة ليست سلعة تباع للأغنى، والرجل ليس رصيدًا بنكيًّا ولا منصبًا رفيعًا، إنّهما أصل الحياة وسبب استمرارها، إنّهما المودة والرحمة، الراحة والسكينة التي خلقها الله لهما من نفسيهما، ألم ترَ قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً).

فالغرض الحاصل من الزواج هو السكن والسكينة والطمأنينة التي يلقيها الله في قلب الزوجين بطول العشرة والتوافق والتآلف. أما ما يحصل من تعقيدات وتجاوزات في اختيار الزوج بالنظر إلى ماله ومركزه دون اعتبار لدينه وخلقه ما هو إلا ظلم للفتاة واعتداءٌ على حقها بالتقليل من شأنها والعبث بكرامتها وكرامة الرجل وهذا ما لا تقبله الفطرة السليمة ولا يرضاه اعتبار القويم، فأين الآباء من السنة حين ينتقصون حقوق بناتهم ويظلموهن بسوء الاختيار النابع من الاطماع؟! أين ذهبت كرامة الفتاة وماذا حدث لكينونتها وشخصها الذي اختصره ببضع آلاف أو عقار؟! أتراه سيعوضها عن الامتهان والإهانة التي رخصت منها بهذا الشكل البذيء؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد