ما معنى أن تكون طفلًا ذا نظر ضعيف؟! معنى ذلك أن تحرم من اللعب مع الأطفال بالمراجيح، بدعوى الخوف عليك، والحرص على سلامتك، أو أن تحرم أيضًا من اللعب عمومًا حتى لا تنكسر النظارة، وأن يصير لقبك فلانًا«أبو نضارة» أو فلانة «أم نضارة»، أوعند السخرية والشتيمة «أبو أربع عيون».

وربما عزيزي أو عزيزتي صرت/ي اعتماديًّا، وتقل ثقتك بنفسك، وهذا بالطبع من فرط حرص والدتك عليك والمحيطين والمحيطات من معلمين ومعلمات وحتى العاملات، وكثيرًا ما ستتردد على مسامعك جملة «معلش خلوا بالكم منه عشان نظره على قده»، وتتزايد عليك الشفقة لتشعرك بالعجز الموهوم. وما يزيد الطينة بلة أن ذلك الحرص، وتلك الشفقة التي تضيق بها ذرعًا، ربما أشعلت فتيل الغيرة عند إخوتك وزملائك.

لم أكن أشعر باختلاف بيني وبين الأطفال صحيحي الأبصار، وكذلك أظن كل الأطفال ضعيفي النظر، أنتم أيها الكبار من يخلق ذلك الاختلاف بقصد أو بدون قصد، إذ لا يفهم الأطفال مثل هذه الأشياء المعقدة. هم فقط يحسون، تنتقل إليهم حمى شفقتكم، حمى تفريقكم، نعم هناك اختلاف، ولكن يمكن للأطفال أن يتقبلوا صديقهم مع بعض التوضيح الطفيف لإمكانيتهم مساعدته عند الحاجة فقط، فهو ليس شخصًا عاجزًا، ويأتي الصوت مدويا داخلي «أنا نظري ضعيف ولست أعمى» يا رباه! كم يعاني الكفيف في مجتمع يجعل من ضعيفي النظر عجزة!

وهنا تتوارد إلى ذهني بعض المواقف الطريفة المضحكة المؤلمة في الوقت ذاته، التي تعرضت لها خلال طفولتي. أبرزها سؤال «كم دول؟!» ويشير السائل غالبًا بإصبعيه السبابة والوسطى منفرجين، كنت أضحك من تكرار السؤال في نفسي وأشعر بسذاجة السائل. ولكني كنت أجيب بجدية إرضاء لفضول السائل، فتأتيني نظرات الدهشة المثيرة للضحك والبكاء في آن واحد. بالإضافة لعينة من الأسئلة اللزجة مثل: «هل تراني؟»، «ولماذا لا ترتدي النظارة؟» والإجابة المملة المعتادة مني حينها «مكسورة»، في الواقع كنت أسر كثيرًا حين تكسر النظارة، وكأنه قد تحطم حديد سجني وتحررت؛ ولذلك كانت أغلب الوقت مكسورة، وكنت أرى بدونها، دعنا نقول إن وجودها كان لا يفرق عن غيابها، فأنا لدي مرض نادر في الشبكية، والنظارة مجرد محسن للرؤية وليست مصححًا للإبصار، فلن يضرني عدم ارتدائها كثيرًا، بيد أني الآن لا أستطيع الاستغناء عنها؛ نظرًا لكثرة تصفحي الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وربما لتعودي عليها؛ وفي النهاية فهي للقراءة فحسب.

ولست مضطرة لأن أقنع كل من أقابله بطبيعة حالتي، ولم أكن مضطرة كذلك وأنا صغيرة معللة عدم ارتدائي النظارة، فأنا بالكاد كنت أفهم طبيعة المرض عن طريق ما ينبغي فعله وما لا ينبغي، وما يريحني وما يتعبني، وبرغم صعوبة فهم المرض لأغلب الناس ولي، ولكن يسهل جدًا تفهمه، كما تفهمته أنا وتعايشت به ومعه في سلام.

كل من لديه مشكلة في الإبصار، ولن أقول يعاني من مشكلة في الإبصار، لأن جل ما نعانيه هو الناس ومعاملتهم وليس المرض ذاته؛ ولكن من لديه مشكلة في الشبكية تزداد معاناته، إذ يبدو ظاهرًا للعيان أن لديه مشكلة عويصة جدا، فهو لا يتحمل أشعة الشمس الساطعة ويغمض عينيه، ولا يمكنه ارتداء نظارة شمس في سن صغيرة بحسب إرشادات الطبيب، ويا ويله من ذلك! فكل من هب ودب يلحظ ما به، وينصح والديه بضرورة الكشف الطبي، وينهال بالنصح عليه بضرورة ارتداء النظارة وخطورة خلعها.

كنت صادقة جدًا حين قلت إن جل ما عانيناه حين كنا صغارًا، وما نعانيه وما نكابده في حياتنا اليومية من صعوبات بكوننا ذوي نظارات هو الناس، فمرضي لم يعرقلني عن النجاح والتفوق في دراستي، ولم يمنعني حتى عن كتابة هذا المقال، ولكن الناس جعلوا مني شخصية مهزوزة خجولة قليلة الثقة بنفسها، عانيت وأعاني حتى الآن للتغلب على هذه الصفات القميئة، والتغلب على آثار نفسية كثيرة لشعور بضعة النفس.

مختصر القول لا تنظر بتعالٍ إلى من لديه مرض ما أو مشكلة ما، فهو لم يقترف ذنبًا أو جريمة، بالعكس فقد اصطفاه الله دونك ليكون آية لك لتشكر الله على نعمته، ولما كان لكل إنسان 24 قيراطًا، فمعنى أنه فقد قيراطًا في مرض، فإن الله قد عوضه دونك أيضًا بميزة أخرى، ربما لا يعلمها إلا هو سبحانه، ولكننا على يقين من عدل الله -عز وجل-، فلزامًا علينا أن نتعلم ثقافة الاختلاف مع الآخر ونعلمها لأطفالنا، فلسنا جميعًا متشابهين، فلكل منا قدراته وطاقاته واحتياجاته، فعلينا تقبل الآخر كما هو دون سخرية أو تقليل من شأنه ومساعدته عند حاجته فقط دون إحراجه أو ربما إيذائه بدنيًا أو معنويًا بالشفقة عليه، ولا أحد يحتاج الشفقة سوى أصحاب الذنوب والجرائم، فكلنا سيحاسبنا الله بقدر ما نستطيع فعله، وما نستطيع فعله دون تحجيم كثير للغاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد