تتفاوت الأحداث كثيرًا في كل مرّةٍ تطالع فيها مواقع التواصل الاجتماعي ما بين المحليّ والدولي، وتتباين الردود بين الـمُؤيّد والـمُعارض، ثم بين الساخر والجاد، ولكن ربّما يكون وجه التميّز في هذا الحدث هو كونه نابع من المجتمع الأزرق وراجعًا إليه في صدًى واسعٍ وملحوظ.

«أنا مش مُحجبة، أنا بصلّي».

كان ذلك عنوان الحملة، يرافقه ثلاثُ جُمل أُخريات على نفس الشاكلة «أنا أفعلُ كذا، لكنّي كذا، أو لستُ كذا». وما بين «كذا» و«كذا» شيءٌ ظاهر من التعارض.

وبعيدًا عن الجذب والرد والتعليقات الدائرة على الأمر، وبعيدًا عن تفاصيل ما ذكرته الجُمل الأربع على ورقات الفتيات، فمن الظاهر الآن أننا أمام احتمال سطحي أوّلي يقول بأن هذه الحملة تقوم بشرعنة الفعل الباطل بقرنِه في نفس السياق مع الفعل المشروع، أو بتعبيرٍ آخر: تحاول إضفاء صفة الإباحة على أقل تقدير على هذا الفعل الـمُحرّم أو المنهيّ عنه «أنا لا أرتدي الحجاب، ولكنّي أُصلّي، والأمران سواء.. أو على الأقل لا غضاضة في ذلك».

وربما أن أغلب من ابتدروا هذه الحملة وتلك الفتيات بالسخرية هم من وقعوا ضحيّة هذا التفسير الظاهري للأمر، ولكن على الرغم من كوْنه هو الأقرب للاستنتاج، إلا أنّي لا أُصدّقه، لذا سنتركه جانبًا ونتناول تفسيرًا آخرًا أظنه هو الأقرب لغرض الفتيات والأكثر منطقية من هذا الفعل، وهو أنهنّ ما أردن إلا توجيه رسالة تلميحية شديدة اللهجة للمجتمع أن ما أفعله وتراه أنت في الظاهر ليس داعيًا كافيًا لأن تختصر شخصيّتي فيه، وأننا جميعًا بنا من العوار الخفيّ بقدرِ ما بنا من الصلاح الظاهر، أو أكثر أو أقل.

وربما أن هذا الاحتمال هو الأقرب للصواب من الاحتمال الأول لما فيه من رسالة أبلغ من الرسالة الأولى، وكوْنه أكثر تلاءمًا مع المجتمع والشرع، فهو لا ينكر النهيّ، ولكنه يرفض اختزال الإنسان في قالب أفعاله السيئة فقط. فدعونا ننطلق من هنا للتعليق –وقد نختلف أو نتفق- ولكن هذا أفضل من تمرير الأمر دون اهتمام.

الذنب

الذنب هو أمر حتميّ الحدوث طالما أن الإنسان يسير على هذه الأرض ويستظل بسمائها، وأية محاولة لتحييد هذه الخصيصة البشرية للوصول بالسمو البشري للملائكية المطلقة هو أمر قد حكم على نفسه بالفشل قبل أن يبدأ. والأدلة التي تُبرهن على ذلك أوسع من أن يحصرها هذا المقال، وقد يُغني عن البيان حديث مسلم عن أبي هريرة المرفوع للنبيّ –صلى الله عليه وسلم- والذي يقول «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا، لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم».

فالأمر في هذا الصدد منتهي: الذنب لا ينفك عن الإنسان، ولكن..

من قال إننا يجب أن نتناول أخطاءنا على المشاع لنبيّن أن الأمر طبيعي، وأننا معشر البشر نحتمل جوانبًا من السوء بقدر ما نحتمل من الصواب؟

من قال إن منطقية ارتكاب الذنب تكون مُبرِّرًا لقبوله ومناصفته للعمل الصالح في الإفصاح عنه؟

نعم نحن نقوم بالذنب ونُسرِف على أنفسنا..

ونعم نعلم أن هذا طبيعيّ..

ونعم لا ندّعي الملائكية..

ولكننا كذلك؛ لأننا لا يمكننا إنكار الحقيقة، لا لأننا نتأقلم مع سوئها!

نحن نوقن أن ما نفعله من الخطايا منطقي، لكنه غير مقبول.. نوقن أن اختزال الإنسان في جانب دون جانب هو من الظلم له، لكن الإنسان خُلِق في الأساس منزوع العصمة للاختبار، ولأن يواجه هذا التحدّي الحَرِج بأن يكون صالحًا رغم سقطاته، وألا يتأقلم مع الذنب رغم تسليمه ببشريته، فلا يختزل نفسه بنفسه في جانبي العجز والتسليم دون مقاومة.

 

لذا فإن اعتراضي على هذا الاحتمال للحملة المذكورة هو اعتراض على فكرة التصالح مع الذنب وعدم الخجل من التصريح به ما دمنا نفعل أيضًا من الصالحات ما يشفع لنا.

نعم لا ينبغي لأحد أن يختصر الإنسان في فعلٍ قبيحٍ يفعله مهما كان قبحه –ما لم يصل إلى خوارق الإيمان والإنسانية- ولكن أيضًا لا يصح للإنسان أن يفعل ما يشاء في المجال العام وأمام أنظار المجتمع، ثم يأتي بعد ذلك ليُنكر عليهم إنكارهم عليه!

نعم لا يعلم الناس البواطن بقدر علمهم الظواهر، لكن حفظ المجال العام وحفظ النفس عن الخطأ داخل إطاره هو أيضًا من المنطقية بمكان، وهو المقتضى الرئيسي لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمؤمنون هم شُهداء الله على بعضهم في الأرض كما ورد في معنى الحديث، كما أن فتنة المرء للمرء يعظُم أثرها إذا تعامل الأول مع ذنبه على أنه أمرٌ طبيعيٌّ لا يخجل من إظهاره للعامة بما في ذلك من تسويغٍ له وإن لم يُبحه. ناهيك عن المجاهرة المذمومة، وإثارة غيرة الناس على محارم الله، وما إلى ذلك.

ونعم لا نجزم للناس بالثواب أو العقاب، لكننا لا نقبل أن يُخترق المجال العام بأفعال تضاد ما أقرّه الشرع ثم نتوقف عن التعليق أو النهي لمجرّد أن هذا يُعد اختزالًا للشخص، فنحن حينها لا نحكم على الشخص، فاللهُ كفيلٌ بذلك، ولكننا نواجه فعلته وأثرها في المجتمع بغض النظر عن شخصه؛ كي لا تتم شرعنتها بحكم العادة، تمامًا كما نهى النبيّ –صلى الله عليه وسلم- أحد أصحابه عن لعن الرجل الذي جُلد أكثر من مرة لشربه للخمر، قائلًا «لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلَّا أنَّه يحبُّ الله ورسوله». فميّز بذلك بين الفعل وفاعله، وبين قبول الـمُخطئ ورفض خطيئته.

وإجمالًا: أنا شخصيًا أُحسِن الظن في تلك الفتيات وحملتهن، وأدعو غيري إلى ذلك، وأنهن ما أردن بها إباحة ما حرمه الله، ولكنّها رسالة تحذيرية من اختزال البشر في قالبٍ واحد.

ولكن وجه الاعتراض هنا على فكرة التماهي مع طبيعية الذنب وحتميته للدرجة التي يُصبح فيه الحد الفاصل بين المؤمن النادم على ذنبه الـمُخفي له، والمؤمن المتصالح مع ذنبه الـمُصرِّح به حدًا مُموهًا لا يظهر معه تمايز الاثنين وفضل أولهما على الثاني.

وكما أنّي أتفهم منطقية هذا الهجوم على الفتيات، وإن كنت لا أُحب أن يكون هو الحل في مواجهة الأمر.. أتفهم تمامًا احتمالية أن تكون الفتاة غير مُحجبة ولكنها تُصلي، وإن كنت لا أُحِب لمؤمنة أن تتخلى عن فريضةٍ صريحةٍ كتلك.

فنحن نتفّهم طبيعية النقص البشري، لكننا لا نقبله دون مقاومة ومجاهدة، فما بالكم بالتسليم له والتصالح معه، ومطالبة المجتمع بعدم الامتعاض من إظهاره؟!

وأخيرًا: قد نتقابل أو نتعارض فيما قيل، ولكن دعونا نتفق في النهاية على أن حق المسلم على أخيه أن يُحسن به الظن ما وجد إلى ذلك سبيلًا، وأن نكون رحيمي القلوب، ولطفاء الألسن إذا قوّمنا أفعال الغير، وأن ننظر لكل ذي خطأٍ بعين الـمُهتم الشفيق بدلًا من أن نرمقه بنظرة الـمُتَّهِمِ الغليظ.

هذا ينطبق على نقد من أراد النقد لفعل الفتيات وحملتهن، كما أنه ينطبق بطبيعة الحال على تعليق من أراد التعليق على هذا المقال.

والله من وراء القصد..

والسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

محجبة
عرض التعليقات
تحميل المزيد