كيف ولدت التعاسة إنسانًا مثل سارتر

قال سارتر مرةً: «إن أعظم هدية يمكن أن يقدمها الأب لابنه هو أن يرحل عن الحياة مبكرًا».

إذا نظرنا لهذا القول على كونه خلاصة لمرحلة معينة من التعمق الوجودي لدى سارتر فهذا قد يبدو سذاجة حقيقية والبعد عن الأداة التي يصارع بها تعمّقه الفكري الصارم. إن أمكننا القول إن ولادة شخص منذ نشأته الأولى مرورًا بمراحل حياته البدائية إلى السن الذي يستطيع فيه الطفل إدراك المحيط من حوله وتصحيح نسبة كبيرة من تصرفاته الواعية في السنوات الخمس من الولادة، كما قال فرويد في مراحل النمو النفسي أو مراحل تطور الشخصية.

سنجد بأنه الأقرب لما يكسبه الطفل من شعور وإحساس وإدراك للعالم الذي يصنعه بنسبة تتناسب بتلك الفئة العمرية وتكون غالبًا عبارة عن إيجابيات تُغرز من طرف الأبوبين بسلوك الطفل، كالعاطفة والحب من جهة الأم والتربية والمسؤولية والصرامة من طرف الأب وبالقدر الضئيل مقارنة بالمكتسب السلبي الذي ستشهده في فئة قليلة من غيرهم، والتي يجدر القول بأنها خلل متوارث ضمن سلسلة متكررة من الأبوين إلى الأطفال منذ القدم إلى اليوم، وأن يكتسب نفس المقدار الذي يكسبه الطفل، ولكن بصفة سلبية، والتي يتلقاها من كلا الوالدين، كالعادات السيئة، أو تكرار كلام الأم، وتأثيره الحاد على حياته، من حقد أو عدم مبالاة أو ضعف غضب من طرف الأب، فيتكون إثر هذا النقص شخص فاقدًا لهذا الحنين المكتسب في فترة الطفولة كما عند الاخرين فتلحظ التهجم تارةً وعدم الدفاع عن حق الأبوبية التي يراها مجرد كلام خالي من شعوره الحقيقي،وليقذف عليها أشد العبارات قساوةً في فترات كثيرة من حياته ويعود في كل مرة لكلمة التمني كالقول (لو كان حيًا) ليخفف عن نفسه هذا الذنب وخلق المبررات التي تخفف عنه وتضيف له الراحة.

لو كان والدي قد عاش لوقت طويل، لكان قد حلّق فوقي بكل جسده وسحقني، لحسن الحظ أنه قد مات مبكرًا جدًا.

قول سارتر يمكن أن يقوله أي شخص غابت عنه أهم صفات والده ولم يلمس جانب العطف الذي تكوّن دونه.

فإذا نظرنا لطفولة سارتر سترى منذ نشأته الأولى أنه قضاها يتيمًا منذ الأشهر الأولى وعاش بعدها فاقدًا العنصر الأبوي في حياته وما كسبه خلال الفترة اللاحقة هي القوة التي يمكن تسميتها القوة الأنثوية من والدته، وبالإضافة التي أتت بمرحلة أخرى مستمدة من جدّه في مرحلة معينة من عمره، وما أضافت لشخصيته التي غيرت جذريًا مفاهيمه للحرية والمسؤولية الذاتية الغير محدودة، ربما تجدها في سياق أخر أنها تعويض كامل عن حياته القاسية.

إن الحالة التي يكون فيها المرء بأمس الحاجة لعنصر الأب في حياته يكون أقرب إلى أن ينعته بأشد العبارات القاسية وهي التي يخفي بها عن ذنبه حقيقةَ كأن يقول: إنني ابن المعجزات أكثر من أن أكون ابنًا لرجلٍ ميت. إن مرارة ولادة شخص بعيدًا عن أحد والديه تكون أشبه بشخصٍ ناضج ترك خلفه شابًا ميتًا أو تفكر ولو مرةَ أن تكون نشأت دون أن تدرس الطاعة لوالدك أو تكون بعيدًا عن تجربة استمداد القوة وتولد بشكلٍ ما، إما كآيبًا أو ضعيفًا في فترة ما في الحياة، وتصبح أكثر انعزالًا عن المحيط العائد بذلك حتمًا إلى نشأتك يتميًا. كحياة سارتر في السنوات الثلاث التعيسة قبل الإصطدام بزملاء الدراسة التي رأى فيها طابع العنف المختلف عن مناخ أسرته التي بدت له بنوعٍ ما أفضل، رغم بغضه الشديد لجده الذي كان ينظر له على أنه غير مرغوب به ونتيجةً لهذه الحياة المهولة التي كانت تنقصها مجرد النظر لوالده قال سارتر فيها: لقد فهم القارئ أنني أكره طفولتي وكل مايتعلق بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد