أنا الأعزب

أنا رئيس دولتي المترامية الأطراف، وحاكمها والمشرع الأوحد فيها، والواصي عليها والمدبر والمنظم لكل أمورها. أستيقظ من نومي متى شئت، وأخرج وأدخل متى أحببت، وأخلع ثيابي متي يحلو لي، وآكل المثلجات وأطلب المحاشي والمحمر والمقلي كيفما هوت نفسي. ليس على أكتافي سوى حمالات ثيابي ورأسي غير المثقل بمشاكل الغير. لا مسؤليات، لا واجبات، لا مواعيد غرامية، لا مطالب، والأهم من ذلك أنه لا هموم، فأنا أعزب. كلمة لها وقعها ولذتها التي من شأنها أن تذكرني بحريتي.

أتذكر تلك الكلمة كل يوم وأنا أصنع طعامي، خلال جلساتي مع أصدقائي، وأنا أجول الشوارع، وأنا أقرأ أو أحتسي القهوة. أتذكرها وأنا في الحمام أصفف شعري وأصلح ذقني فأنظر إلى وجهي في المرآة من كل جانب. وأتامل سكني الفندقي الذي لا أدفع له إيجارًا. أتأمل تلك الأشياء وأقول في نفسي أنني سأنام ملء أجفاني، تتمناني كل صديقاتي وكل فتاة عرفتها يومًا فيحادثنني في الهاتف مساءً؛ أملًا في لقاء قريب، أو طمعًا في علاقة لا نية لي بها. يحسدني كل أصدقائي المتزوجين الذين يقضون ليلهم في الاهتمام بواجبات أطفالهم المدرسية. لا يحمل همي سوى عامل الاستقبال في الفندق ليعلم متى سأعود أو لكي يسلمني البريد اليومي، وجيراني الذين لا ألاقيهم سوى بالصدفة في ممر الفندق أو في المصعد أحيانًا. لا أحمل في نفسي سوى تفاؤل لا ينقطع، ولا توجد على وجهي إلا ابتسامة تملأ الكون.

يتهموننا بأن حياة الأعزب هي حياة تعسة يملؤها الفشل والفراغ، الوحدة هي جدرانها والألم وعدم الاستقرار هما أثاثها. اسمحوا لي أن أقول لكم بكل صدق بأن هذا الكلام ما هو إلا جزء من خرافة ابتدعها المتزوجون؛ لأنهم فشلوا في فهم حياة العزوبية أو تحقيق المرجو منها. كل هذه الخزعبلات هي كالإعلانات المفاجئة التي تظهر لنا خلال مشاهدة مسلسل ناجح أو برنامج توك شو، لا هدف منها سوى جذب الانتباه. ومن بعض شائعات تلك الإعلانات من يقولون بأن الزوجات هن كالحور العين في المنازل يملأن البيت دفئًا ومحبة، وأن الأطفال هم من يضفون البهجة والسعادة على حياتك. أو أنك لن تشعر بالوحدة ما إن تزوجت.

كلنا وبلا استثناء نعلم بأن هذه الكلمات ما هي إلا محض ادعاءات واهية. فالبيت قد لا يدخله الحنان والدفء إن لم يبن على أسس، والزوجة قد لا تكون حورية تسعى لإرضاء زوجها وإنما عفريتة تقصر من أجله، والزواج الذي لن أشعر بالوحدة بسببه قد يتحول إلى كشف حساب في آخر الليل. أنا لست مغفلًا لأكون أول من يتفقد مياه البحر بكلتا قدميه، إنني وبكل فخر أحمد الله على فهلوتي بأنني لم أتزوج إلى الآن، ولا أشكر بعد ذالك سوى الظروف التي زرعت تلك الفكرة في رأسي.

ما زلت لم أر أو أسمع إلى اليوم عن قصة زواج واحدة ناجحة تجعلني أرغب في إخضاع التجربة على نفسي، ولا أرى ما أو من يمكن أن أتخلى عن حريتي من أجله. إنني أستمتع بذلك الصوت الحر الذي يخرج من رأسي في كل مرة يتحدث فيها أصدقائي المتزوجون عن حيواتهم الصعبة التي يملؤها الملل والضيق، أقدر هذا الصوت الذي يذكرني بأنني أعزب، أنا بكل حق حر.

أنا لا أحتاج من الدنيا سوى سرير مرتب أعود إليه بعد يوم مثقل بالتعب من العمل والخروج مع أصدقائي. فأنا الشخص الذي يأكل في أي مكان، وأشتري في الحال ما أريد، لا أدين لأحد بشيء، وأموالي دائمًا تملأ حافظة نقودي وبطاقاتي البنكية، أعزم من أشاء على الغداء ومن أهوى على العشاء، أدفع بلا رقيب ولا أنظر في الفواتير، ولا أعتقد أن هذا يعد تضييعًا للوقت. فأنا مستمتع بحياتي.

– قالت لي صديقتي ف. م. يومًا: أنت إنسان بلا مأوى، تأكل من أي رصيف وتشرب من أي محل، تسحب نقودك من أقرب بنك وتنفقها على هذا وذاك، تخرج مع من تشاء ولا تسمع لأحد، لا يوجد من يسأل عنك أو يراجع ما تفعل. أنت إنسان مشرد وإن لم تشعر بذلك.

فهمت من كلماتها التي تلفظت بها في غيظ شديد، أنها تحسدني وتحسد أصدقائي على ما نفعل، وخاصةً عندما قالت بأنها لا ترى قلبي إلا مرتعًا وإسطبلًا لكل فتاة أجنبية باسم الصداقة، وأنني لا أحاول الإبقاء على أي منهن فلا أخسرهن ويحرصن على مرافقتي. إن صديقتي تعتقد أنني لا أثق في نفسي وأن حياتي لا تبعث على الإخلاص، حتى أنها وصفتني بالمغفل الذي لا يعقل شيئًا. ولأنني لم أر كلماتها سوى طلب للارتباط ومعاتبة على عدم فهم مشاعرها تجاهي. لم يكن مني سوى أني أجبت بجملة واحدة وهي: إنني إنسان واقعي لا أطلب الثقة من أحد فأكتسبها، ولا أتصنع الإخلاص فيدوم.

ثم عادت تسألني عن السبب الحقيقي وراء عدم زواجي؟ فكان الرد الذي لا أصارح به أحدًا في الغالب وهو أنني لا أريد أن أخسر حريتي التي وهبني الله إياها. إنني وإن كنت قادرًا على فتح بيت والاهتمام بعشرة أشخاص ماديًّا ومعنويًّا والأهم من ذلك فكريًّا فلن أرضى أن أصبح تاجرًا في سوق الزواج الذي ابتدعتموه، لن أقبل أن أُسأل عن مهر وبيت وأثاث أنا قادر على الإتيان به لكن في نظرهم المادي ما هو إلا أفكار عفنة لا الشرع يوافقها ولا العرف يوجبها، لا أريد أن أشتري إنسانة لا أعرفها ولا أفهمها. إنني وبكل بساطة لن أدخل تجارة تفسد عليّ حياتي. فلم يقل الشرع أن تسألني كم من المال أملك؟ أو كم سعر المكان الذي أقطنه؟ وما شأنك بمرتبي أو أملاكي؟ إن رضيتم خلقي وما أنا عليه فزوجوني وإلا فلا داعي لشعاراتكم.

عندما توجد من تقدرني لذاتي وما أنا عليه، تلك الإنسانة التي ستفهم مدى اهتمامي بها لشخصها بعيدًا عن الماديات العفنة. حينها وحينها فقط سأبذل كل جهدي لأتزوج. لكنني أبدًا لن أتاجر ولن أكون جزءًا من سوق السبايا الذي هيأتموه لأنفسكم لتربحوا وتربحوا بناتكم. ولكن الدائرة ستظل تدور عليكم حتى يصبح شرع الله وتقدير الناس معيارًا لكم.

حتى وإن ازدادت الوحدة عتمة، وازداد عدم الاستقرار اضطرابًا، وتزاحمت الأفكار داخل رأسي كما تفعل كل صباح مع فنجان القهوة حينما أتطلع من نافذة سكني المتواضع، والتي لا أرى حداثة تصميمه بقدر ما أرى خلوه من عبير عطر أنسوي ينبهني لكينونتي، أو صوت فتاة تسامرني كل صباح. لو أردت لكانت كل ليلة لي في هذه الغرفة هي ليلة حمراء، ولترددت أصوات ولهجات مختلفة بين جدران تلك الغرفة كل مساء، ولتذوقت القهوة المكسيكية والحليب الألماني والخبز الفرنسي والبيتزا الإيطالية والشوكولاتة الروسية من أيدي صانعيها كل وقت وحين. لكن ليس هذا ما أبحث عنه، فأنا لا أبحث عن لذة زائلة أو رغبة رعناء لا ناقة لي فيها ولا جمل. حتى وإن كان كل شيء يدفعني إليها دفعًا، ويسوقني كما يسوق الحب إلى أصحابه! لا حاجة لي في رغبة أمارسها كالطريح في غيبوبة فأفيق من لذتها بعد بضع دقائق. لماذا أتزوج من أجل بضع دقائق؟

إن ما أبحث عنه هو شيء لا ينتهي، لا الوقت يؤثر في حلاوته ولا الطبيعة تقوى على تمزيقه، رباط يربط الأرواح ببعضها فتأنس. بعيدًا عن الفضول المصطنع والإعجاب الزائل. إنني أبحث عن شخص لا أمل من صوته أو حركاته، ولا أفتر من رؤياه، شخص لا يستنفذ الوقت ما أحمله له بين جنبات صدري، ولا يزداد البقاء معه إلا شوقًا ولهفة. تذكرت سؤال صديقتي عندما سألتني لماذا لا أتزوج؟ وإلى متى سأظل عازبًا؟

وتنبهت إلى أن ما لم أقله لها هو أنني عازبًا لأنني أفكر في الزواج، إنني أفكر فيه لدرجة أنه لم يعد يبقى من تفكيري سوى أشباحه، وصداع يمزق رأسي باحثًا عن مسكنات لا تسمن ولا تغني من جوع. حتى وإن كان ما أبحث عنه لا يوجد سوى في الروايات، ولم يخلق إلا بين طيات الكتب، فإنني أفضل أن أكون بطل رواية لا يعرفها أحد، على أن أكون أحد العوام السابحين في بحر من السراب والمشاعر الزائفة…..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد