ربما في سياق سابق كتبت مقالات حول المذهب المدخلي وأذنابه وامتداداته ومخاطره التي لا تهدد استقرار الدول فحسب، بل استقرار الأمة الإسلامية جمعاء، فهم لا يمتون الإسلام الوسطية والاعتدال بأية صلة، فهم يمثلون أعلى درجات التطرف الفكري في الفرق الإسلامية، فمن الممكن جدًا أن يسبقوا الشيعة في هذا، فلو قارننا بينهم وبين الجماعات الجهادية لوجدنا علاقة الأخوة من الرضاعة تجمع بينهما، فكلهما رضع من ثدي ما يصطلحون على تسميته بالفرقة السلفية، ربما يمكننا اعتبار هاته المقالة امتدادًا لما سبق.

إن البعض يعتقد أن تهجمي الصريح على فكر المراحيض هذا ناتج عن حقد دفين، إن الحقيقة هي أنه لا تنبثق مني مشاعر اتجاههم، عدا شعورين اثنين وهما: أولًا الحسرة، وهذا ناتج عن تضييع الأمة الإسلامية لطاقاتها وشبابها. ثانيًا الشفقة، فأنا أشفق على هؤلاء الفتية المغرر بهم على أساس أنهم الفرقة الناجية، فهم في تصورهم أن كل من خالف فكرهم خرج من حقل أهل السنة والجماعة – هذا إن لم يعتبروه خارج الإسلام – ولا يكتفون بإخراجهم، بل يتمادون إلى محاربة المخالفين، وحجتهم الدائمة المقامة على المخالف هي أنه يمثل خطرًا على الإسلام، بل قد صارت ظاهرة سب الإخوان والأشاعرة والمخالفين لهم ذائعة الصيت، وأعتقد أنها ستمتد لتصير شرطًا للقبول في الجماعة، وقد جعلوا لحوم علمائهم مسمومة على الجميع، وعلماء مخالفيهم طعامًا شهيًا ووجبة دسمة لهم.

إن الفكر الإقصائي لا يمت للفكر الإسلامي بأية صلة، لا من قريب، ولا من بعيد، بل أنه يناقضه ويعاديه، ففكرنا الإسلامي المستمد من ديننا الحنيف لا يقصي، بل يفتح باب الحوار والنقاش حول الاختلافات الفرعية التي لا تضر بقواعد الإسلام ولا تخل به سواء من باب العقيدة أو من باب الفقه. إن قضية تأويل الأسماء والصفات عند الأشاعرة مثلًا، هو من فروع العقيدة، بالإضافة إلى الإقرار برؤية الله يوم القيامة من عدمها عند الإباضية لا أعتقد أنها من مفسدات العقيدة في شيء، والذين أعيب عليهم المشاركة في الانتخابات، وقد جزموا على أنها محرمة شرعًا، فأقول لهم إن الله عز وجل قد ذكر في كتابه الحكيم: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم) أي أنه لم يحدد طريقة دقيقة للتشاور، من انتخاب أو مبايعة أو تعيين، وهذا تسهيلًا لحياة الناس وأمورهم ومصالحهم لا تعسيرًا عليهم، كما يدعي هؤلاء المتفيقهون.

ونحن على أعتاب نهاية سنة 2018 أعتقد أن الفكر المدخلي يعيش آخر أيامه على وجه المعمورة، حيث إنه صار محاصرًا من قبل الدول، ومخترقًا من قبل أجهزة الاستخبارات، بل إن موطنه ومكان مولده ونشأته ينكره، فكيف لنا أن نتقبل ما هو دخيل عنا؟ إن بعض الأنظمة، بعد أن اكتشفت انه أداة في يد غيره، يدار بواسطة الرسائل، عرفت أن هناك من يريد أن يجعل البلدان تابعة له باسم الدين، فسبقت الزمن لاجتثاثه من مواطنها.

إن من سنن الله عز وجل التدافع في الأرض، فالصالح إن اتخذ أسباب التمكين يزيح الكافر من الصدارة، ولو كان ذا قوة وجاه، والعكس صحيح، وهذا هو المبدأ الذي ذكره الله في القرآن الكريم بقوله: (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) فحري بنا اليوم أن نتخذ الأسباب لإزاحة مثل أنماط كهذه من الأفكار والانطلاق نحو صناعة مجدنا والتحليق مع الكبار وما ذلك ببعيد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s