مهداة إلى روح الشهيد مازن دباغ وابنه عبد القادر

أنا واحد من الذين يكرهون أن أقول: «أنا سوري وبس»، ذلك أنه باسم الشعارات المختزلة والشبيهة، انتهكت قوميات ومكونات وطوائف في سوريا، وأرغم الكوردي أن يغني بالعربي (أنا سوري آه يانيالي)، لكن حتى سوريا العربية وفق المنظومة البعثية صارت (سوريا الأسد) وليست (القطر العربي السوري ولا القطر السوري)، وصيغ الاستبداد الرسمي باسم قومية (الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة) التي وللأسف حتى هذه القومية لم تسلم من البطش بها والنيل من أحرارها.

في سوريا ترى الحقائق تدك وتفتت وتفقد حقيقتها حيث في قسوة تامة يغتال الوطن في لافتات مزيفة تكفر بالحق والخير والإنسان، يجب عليك أن تردد وحدة حرية اشتراكية، لكن (الوحدة) هي أن نوحد اسم الحاكم ونجعله وثنًا واحدًا وما سواه باطل،(والحرية) لم تكن للشعب وإنما لسلطة المخابرات المطلقة وبحرية بلا حدود لانتهاك كل خصوصية، (والاشتراكية) تتمثل في تحويل المجتمع إلى كلأ مباح يشترك على نهشه العائلة الحاكمة وأزلامها.

جاءت الثورة السورية المكرمة وبعد العهد الأول النظيف والمقدس والذي استمر ستة أشهر،  ليقع الثوار في غالبهم تحت وطأة وفخ النظام! شيطن النظام الشعارات الثورية فتحرك مرة على جانب (طائفي) وعمل على تغذيته وتحولت الثورة من ثورة سورية إلى شعارات سنية وشيعية وقومية وبدأ بتفجير الشرائح بل وتحويل السوريين إلى قنابل موقوتة مؤجلة الانفجار أو إلى خنادق قابلة للاشتعال، ضرب الطوائف بعضها ببعض وبعد ذلك انتقل إلى صراع القوميات عربية وكوردية.

يبدو أن النظام وأشرار الإرادات الدولية توافقوا على تجنين البشر في سوريا وأيضًا على نزع أي احترام لأي مقدس ديني أو مكون طائفي وقومي. تشظى الوطن فلم يعد يحمل اسمًا معينًا بل صار الكل مذنب ومشارك وضالع في الإثم فالوطن انماث وتحول إلى هويات متناحرة باسم الدين تارة والقومية تارة أخرى وتحولت القومية إلى ديانة والدين إلى قومية وصودر الدين باسم المذهب والطائفة … لينتقل الوطن من اسم قومية معينة إلى رايات متقاتلة تخدم سطوة السلطة من جديدة باسم الدين وباسم القومية.

الكورد في رواية الخطيب

1- من التعدُّد والمختلف يخرج أجمل مؤتلف

لم يقع الخطيب في لعبة الشعارات الشمولية ولا الكلمات التي تبلع الحقائق فالخطيب كان يرى أن استخدام كلمة الوحدة الوطنية من قبل من يروج لها، يعد نوعًا من التحايل السياسي، لدفن ملفات يستحيل تحقيق الاستقرار من دون البت الواضح فيها[1] فقدحرص على التأكيد على التعددية الطائفية والقومية وذلك في كلمته التي ألقاها في عزاء المعضمية في ريف دمشق: نحن في سوريا أيها الإخوة، وهذه ليست من نعم الدولة، بل من نعم الله تعالى عشنا طوال حياتنا، مسلمين، سنة، وشيعة، وعلويين، ودروزًا قلبًا واحدًا وعاش معنا إخوة أكارم يهتدون بهدي موسى عليه السلام محبة وإخاء ومودة، ولا يضيق صدر واحد منا عن أخيه، يفتح له قلبه وداره وبيته، وهذا الأمر هو الأمر الذي يجب أن نصر عليه في كل وقت، وألا تنطلق مشاعرنا خارج هذا الإطار النظيف الذي حيينا عليه ونموت عليه إن شاء الله[2].

هذه النقطة وهي الاعتراف بالمكونات والتنوع تغيب عن كثيرين والذي صنع الخطيب منه وعيًا وإرادة تحد للسلطة وليست عصى الحاكم لضرب المجتمع وتفريق أبناء البلد الواحد

2- المظلومية الكوردية

لمع نجم معاذ الخطيب في سوريا قبل الثورة كمهندس للكلمة الثائرة ضد التهميش المجتمعي وضد تغول السلطة وضد الهبل العلماني والتطرف الديني حيث كان يقول: «لا نرحب بتشدد المتدين ولا مكر العلماني».

كان الخطيب أول عربي سوري إسلامي يصرح قبل الثورة بالمحرم والمحظور فقال في رسالته التي طبعتها له في مركز الراية للتنمية الفكرية في الخليج وتم منعها في دمشق وكسر الخطيب المنع ونشرها على مواقع الكترونية عديدة آنذاك حيث نراه يعترف بانتهاك حقوق الكورد ومظلومية الكورد فيقول الخطيب (لقد أدى التعصب القومي والتجيير البعثي للأمور إلى أن يغض (من هم محسوبون على أهل السنة) النظر عن جرائم النظام البعثي، وليس أقلها حلبجة التي يذكر الأستاذ الراشد أن الدعاة السنة لم يهتموا بها، وبأهلها السنة؛ لأن مفعول الفكر البعثي القومي شرخ الأمة عن الدين فلم يفكر أحد بهم، فقد كان عيبهم أنهم أكراد [سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم] ) .[3]

أعتقد أنه لم يكن ثمة رجل دين وثقافة وفكر واجه هذه الحقيقة وعمل على فك ارتهان الدين لقومية ما ونزع تسلط السلطة على الدين، إلا الخطيب.

3- الكورد شعب عظيم

يصف الخطيب الكورد في روايته بأنهم شعب عظيم حيث نسمع صوته في كلمته التي ألقاها في مجلس العزاء في دوما ليس ذنب الإنسان أيها الأخوة أن يكون سنيًا أو شيعيًا أو علويًا أو درزيًا أو اسماعيليًا أو يكون عربيًا أو كورديًا، فإن قيمة الإنسان عند الله تقواه، ونحن جميعًا جسد واحد ونحن نتكلم بالحرية من أجل كل إنسان في هذا البلد، من أجل كل سني وكل علوي وإسماعيلي ومسيحي، بشعب العرب أو بشعب الأكراد العظيم)[4]

4- الكورد شركاء النضال السياسي والتحرر

في رواية الخطيب هناك اعتزاز واضح بمكانة وجهاد الكورد حيث نراه يدعو إلى (الترحيب بالكورد جزء من الشعب السوري الذي يصنع الحرية أرحب فيه بإخواننا الكورد الذين أتوا البارحة شركاء أعزاء في ائتلافنا وفي بناء وطن حر كريم يحافظ على وحدة سورية أرضًا وشعبًا).[5]

5- التفرقة بين الحقوق والسياسات الحزبية

يؤكد الخطيب على مشروعية حقوق الكورد وتحت المظلة السورية، ويرفض أي تدخل كما يدين بعض التصرفات الحزبية لبعض الأحزاب الكوردية ولكنه يرفض التدخل الأجنبي يرفض الانفصال ويطالب أي حل أن يكون تحت المظلة السورية [6]

الخلاصة

إن المستقبل السوري يسير وفق سننية هي عدالة القضايا وحرمانية الظلم والدم ووجوب الانصاف إنها حكاية ورواية الخطيب عن الكورد .رواية الخطيب عن الكورد تتمثل في الاعتراف بمظلوميتهم، وفي الاعتزاز بهم وبعظمة هذا الشعب العظيم وفي تقدير كفاحهم مع الشعب السوري ضد الطغيان وفي نيل الكورد كافة حقوقهم المشروعة وفي عدم الخلط بين الأحزاب وبين القوميات وفي عدم التدخل في الشأن السوري.

لا تعارض بين القومية والانتماء إلى الوطن وما قيمة وطن بلا مكوناته قل أنا كوردي وأفتخر ولكن إياك أن تجعل من قوميتك سكينًا ضد وطنك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] لقاء أحمد معاذ الخطيب مع القدس العربي. 4 مارس, 2016
[2] كلمة عزاء في المعضمية عام 2011 م
[3] من مقال غفرانك اللهم فالحسين لا يشرب الدماء – 2007-01-03
[4] كلمة عزاء في دوما عام 2011 م
[5] كلمة رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، أحمد معاذ الخطيب، في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر أصدقاء الشعب السوري في مراكش، والتي تضم أكثر من مائة دولة عربية وغربية
عرض التعليقات
تحميل المزيد