قالت لي رفيقتي: أتعلمين، أنا أفعل ما أراه صائبًا؛ لأجل ثقة أهلي بي، لا أحيد عن الصراط المستقيم لأصون تلك الثقة.. لربما لو كانوا ضيقوا الخناق علي، لكنت ارتديت ثوب العناد والتمرد، ولقادني الأمر لأفعل الخطأ دون الصواب.

أصابتني كلماتها في الصميم، جعلتني أفكر للمرة الألف، لماذا يرى مجتمعنا أن الحرية للفتاة هي جرم يعاقب عليه القانون.. لا أقصد الحرية بمفهومها الغربي.. بل أقصد حرية الحياة.. حرية التعليم.. حرية الزواج، بل حرية الموت أيضًا.

منذ الجاهلية الأولى، والجميع يردد: ألأني وصمة عار! أعادونا اليوم إلى عهد جاهلي متعفن، إذا بُشر أحدهم بالانثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم.

تلك العادات التي أورثتموها من قبل من يدعون أنفسهم بحماة الشرف.. عن اي شرف يتحدثون.. كيف لفتاة تحلم بالمجد وبحياة كريمة أن تكون وصمة عار وفضيحة.. عادة توارثها العرب حتى باتت تسري في دماء الوريد.

يتلوى القلب وجعًا مع كل التقدم الذي يسعى إليه العالم، لازال في مجتمعنا أناس يؤمنون بأنه ليس الذكر كالأنثى بالمعنى الذي أولوه ليس لهن الحاجة في شيء.. خلقن إما للعمل كإماء.. أو كعاهرات ترضي شهوات البعض.. وتملأ جيوب البعض الآخر.. مجتمع يتحدى الإرهاب كل يوم.. لكن هناك إرهابًا معنويًا يفوق جرائم الإرهابيين.

حتى بعد أن منحهن الدين الحرية بشروط لا تقيدهن، بل تحافظ عليهن من الذين في قلوبهم مرض.. صرن يكبلن بقيود العادات والتقاليد.. ألا لعنة الله على عاداتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان.. سلبوهن طفولتهن.. وذبلت زهرات شبابهن.. فأية حياة قد يحيينها، وهن تسلب منهن الحياة كل يوم.

حرموهن التعليم خشية الفتنة.. عن أية فتنة يتحدثون؟ أوما علمو بأن زوجات النبي كن يعلمن الصحابة من بعده.. كيف لا.. بأن يضع خده على وسادته، ولا يخبره ضميره لمرة أنه ظلم فتاته بما يفعله.. أولا يعلمون أننا قد نصنع مجدًا يجعلهم فخورين بنا حد السماء.

ليت الأمر في التعليم فقط، بل إنهم يجبرن فتياتهم على الزواج، إما من شخص لا يحببنه وإما لمجرد الستر.. ألا خسئتم وتبت أياديكم، فهن حتى لا يحق لهن في شرعكم القبول أو حتى الرفض.. لا يحق لهن الزواج إلا بمن يدفع أكثر، وكأنهن سلعة تباع في اليوم والليلة.. بل قد نرى طفلة لم يتجاوز عمرها اثني عشر ربيعًا تحمل في أحشائها طفلًا آخر.. ويسمونه زواجًا أولا يعلمون أن عقد الزواج ذاك ما هو إلا تصريح بالاغتصاب، لكن تحت وطأة الشرع والقانون.

لا يحق لفتياتنا الاعتراض على شيء.. بل لا يحق لهن أي شيء.. أما هم فيحق لهم كل شيء، حرامه وحلاله مادام ذكرًا، ثم يقتلون الفتيات تحت مسمى العار والخزى والفضيحة.. ألا ساء ما تحكمون.. حتى الموت ليس من حقهن اختياره!

أما إن أحبت إحداهن يومًا أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، يتركون الفتيات دون رعاية، أو حب، فهن يهبن الحب لأول شخص يقابلنه، ثم تتهمونهن بالانحراف والتعفن.. صدقًا، بل تعفنت عقولكم أنتم، تلك العقول التي دومًا تردد: هذا ما وجدنا عليه آباءنا الأولين.

ليتهم يعلمون حقيقة الأمر.

ليتهم يعطون لفتياتهم قليلًا من الثقة، تلك الثقة التي تجعلهن فخورات بأنفسهن، وتهديهن إلى سواء الصراط.

ليتهم يعلمون أنهم بأفعالهم يجبرنهن على التمرد.. ستخرج منهم على الأقل واحدة تنادى بالحرية تصرخ بها.. تلك الحرية التي لطالما حلمت بها تلك الأسيرة اللاتي لطالما آمنن أنهن لم تخلقن إناث عبثًا أو لتسجنّ، وإنما خلقن لهدف ورسالة، تلك التي لن ترضى أبدًا أن تعيش في براثن عاداتهم مستعبدة.. التي ستظل تهتف دومًا أنا أتنفس حرية.

فتاة حرة لها فكر ثابت ومبادئ لا تتجزأ.. مهما قالوا ومهما فعلوا فهي لن تلتفت للخلف أبدًا، فهى تعلم أنه مع طول الطريق؛ ستصل، لعلها يومًا تكسر قيود الكثيرات اللاتى يحلمن بعبق الحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

#المرأة, ثقة, حرية
عرض التعليقات
تحميل المزيد